خبر عاجلسياسةمقالات

المرجع حسين إسماعيل الصدر: فلسفة الأعتدال الأسمى قراءة بلاغية وفكرية معمقة (1)

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

المرجع حسين إسماعيل الصدر: فلسفة الأعتدال الأسمى قراءة بلاغية وفكرية معمقة (1)

 

 

 

 

اعداد محمد المشهداني ودلال درويش _ مناشير

 

بين صخب العابرين في دروب التأريخ هنالك أرواح نادرة لا تقف على ضفاف الزمن بل تجري مجرى اليقين في أوردة الأمة وحين يمثل في محراب الذاكرة إسم المرجع السيد حسين إسماعيل الصدر فإن اليراع يقف مهابا أمام قامة أختزلت جلال المرجعية في جمال الإنسانية و لم يكن يوما مجرد سليل لدوحة علمية وارفة في سماء الكاظمية المقدسة بل كان صياغة ربانية لرجل حول العقل إلى شراع والرحمة إلى مرسئ في زمن التشظي والنائب لم يكتف برفع الأكف بالدعاء بل بسط ذراعيه ليكون الجسر الذي تعبر عليه الأرواح المثقلة نحو الطمأنينة و إن ما بين دفتي هذا المقال ليس حبرا يتلئ بل هو نبض يعاش ومحاولة لفك شيفرة النور في فكر مرجع جعل من صدره وطنا ومن حكمته فلكا للنجاة.

 

 

إن الخوض في غمار التراجم وسير العظماء ليس مجرد أستعراض كرونولوجي لأحداث مضت بل هو سبر لأغوار الروح الإنسانية حين تتسامى لتلامس سدرة الكمال وحين يتحول الفرد من مجرد كينونة بيولوجية عابرة إلى أمة تتجسد في رجل في تاريخنأ الإسلامي والإنساني المعاصر حيث تلاطمت أمواج الفتن وتكالبت عواصف السياسة و أختلطت المفاهيم في أتون الصراعات التي لا تنتهي و تبرز قامات إستثنائية تقف كالجبال الرواسي و لا لتتحدى العاصفة فحسب بل لتصنع من هبوبها طاقة تنير دروب الحائرين وفي طليعة هذه القامات المضيئة وأكثرها حنكة وأعمقها أثرا وأغزرها عطاء يسطع نجم المرجع الديني والمفكر الفيلسوف والإنسان الأب

آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر.

 

أن هذا المقال البحثي التحليلي المطول لا يروم فقط تقديم جردة حساب لإنجازات لا تحيط بها الكلمات بل يسعى بأسلوب يزاوج بين الصرامة الأكاديمية والبيان البلاغي الرفيع إلى تفكيك الشفرة الفلسفية والروحية لمرجعية الأعتدال و إننا نقف أمام شخصية تجاوزت الأطر الكلاسيكية لعمل المفتي أو الفقيه القابع في صومعته لتنزل إلى معترك الحياة وتؤسس لمنهجية الإسلام العمليجاعلة من الإنسان بكل تجليات وبغض النظر عن دينه أو مذهبه أو عرقه و المحور الأوحد للتشريع والفعل والرعاية إن سيرة السيد حسين إسماعيل الصدر هي في جوهرها ملحمة من ملاحم العقل والقلب معا حيث كتبت فصولها في أروقة الكاظمية المقدسة وأمتد إشعاعها ليعانق عواصم العالم راسمة لوحة بديعة لمعنى أن يكون الدين خادما للإنسانية و لا سيفا مسلطا على رقابها.

 

 

الكاظمية رحم القداسة ومسرح التجلي الفكري

لا يمكن لأي قراءة سوسيولوجية أو فكرية لظاهرة السيد حسين الصدر أن تستقيم دون التوقف مليا عند الجغرافيا الروحية التي أنجبت هذا العقل الفذ مدينة الكاظمية المقدسة وهي بغدادية الإنتماء عالمية الإشعاع و هي ليست مجرد حيز مكاني تتوزع فيه الأزقة والقباب بل هي أكاديمية مفتوحة تضوع بعبق التأريخ وتتوسد أمجاد آل بيت النبوة و في هذه المدينة التي أحتضنت جسدي الإمامين الكاظم والجواد عليهما السلام تشكلت ملامح مدرسة فقهية وفكرية أتسمت بالعمق والتسامح والأنفتاح على الآخر و في رحاب الكاظمية المقدسة حيث يتجاور العلم مع العمل وحيث يمتزج صوت الأذان بترانيم الحوار المجتمعي و تفتحت مدارك سماحة السيد حسين إسماعيل الصدر حيث لقد رضع من لبان هذه المدينة ثقافة التعايش فإن الكاظمية المقدسة تأريخيا كانت حاضنة للنسيج العراقي المتنوع ولم تكن يوما منغلقة على ذاتها و هذا الأنفتاح المكاني والروحي أنعكس تجليا وواضحا في مسيرته اللاحقة حيث تحولت الكاظمية المقدسة بفضل مؤسساته ومبادراته إلى مركز أستقطاب وطني،ة تتوافد إليه النخب السياسية والثقافية و الفقراء والمهمشون على حد سواء ليجدوا في كنفه الملاذ الآمن والكلمة الجامعة.

 

 

ومن أرومة المجد وميراث الأنبياء و السلسلة الذهبية العلوية حيث إن الجذور العميقة لا تنتج إلا ثمارا يانعة وإذا ما تتبعنا الأرومة الطاهرة التي أنحدر منها آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر فإننا نقف إجلالا أمام سلسلة ذهبية نادرة في التأريخ البشري لم ينقطع فيها حبل العلم والأجتهاد والتقوى يمتد نسبه الشريف من جهتي الأب والأم ليرتقي في معراج المجد إلى الإمام موسى بن جعفر الكاظم ومنه إلى الإمام الحسين الشهيد نزولا من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء عليهم السلام _ و هو السيد حسين بن السيد إسماعيل بن السيد حيدر بن السيد إسماعيل بن السيد صدر الدين… وصولاً إلى الإمام موسى أبي الحسن الكاظم. ويحتل سماحته الرقم (34) في هذه السلسلة الكريمة الممتدة عبر القرون والمدهش في هذا التسلسل التأريخي ليس فقط نقاء الدم بل إن جميع أفراد هذه السلسلة كانوا من المجتهدين والفقهاء الأعلام الذين أضاءوا سماء المعرفة الإسلامية و إن هذا الإنتماء الكثيف للمجد يضع على كاهل صاحبه حملا أثقل من الجبال فهو لا يمثل نفسه بل يمثل إرثا نبويا يمتد لقرون ومسؤولية حضارية توجب عليه أن يكون أمتدادا واعيا لحركة المعصوم في إصلاح الأمة.

 

نن التنشئة والأحتضان في كنف عمالقة الفكر والشهادة _

لم ينشأ السيد حسين الصدر في بيئة أعتيادية بل ترعرع في بيت كان يمثل قبلة للعلماء والمفكرين ومصنعا لصناعة الرجال حيث عاش في مقتبل عمره حياة مملوءة في العناية الأبوية الفائقة من لدن أبيه الكريم آية الله العظمى السيد إسماعيل الصدر الذي صاغ وعيه الأول وغرس فيه ملكات الأستنباط والتفكر ولم تتوقف الرعاية عند حدود الأب بل حظي برعاية فكرية وروحية ثانية بالغة الأهمية من قبل عمه المفكر الفيلسوف والمرجع الشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر و إن تتلمذه و أقترابه من السيد الشهيد محمد باقر الصدر منحه أدوات التحليل المنطقي وعرفه على فلسفة الإسلام في مواجهة المدارس المادية وجعله وريثا ل المرجعية الفكرية بحكم الأستاذية ودرجة القرابةو كما أحيط سماحته برعاية مفعمة بالمحبة الصادقة من قبل عمته المفكرة الإسلامية البارزة والشهيدة السيدة بنت الهدى _ آمنة الصدر و التي أسهمت في تشكيل وعيه الإجتماعي والأدبي إلى جانب ذلك كله غمرته والدته بحنان لا يمكن وصفه إذ أعتبرته رمز حياتها وفرحة قلبها وقرة عينها مما أورثه أستقرارا نفسيا هائلا وروحا مشبعة بالحب والدفء والحنان و هذه الروح المترعة بالأمان هي ذاتها التي فاضت لاحقا رحمة على الأيتام والأرامل والمهمشين في المجتمع العراقي إن القائد الذي لم يشبع من الحب في طفولته قد يتحول إلى طاغية و أما القائد الذي تشبع بالرعاية كالسيد حسين الصدر فيتحول إلى أب لأمته بأسرها.

 

من المعمار المعرفي والمكابدة العلمية إلى المزاوجة بين الحوزة والأكاديميا _

 

إن من أشد التحديات التي واجهت المؤسسة الدينية في العصر الحديث هو الفجوة المعرفية بين علوم الحوزة الكلاسيكية وبين المناهج الأكاديمية الحديثة و لقد أدرك السيد حسين إسماعيل الصدر بوعي أستباقي وعبقرية مبكرة حيث أن قيادة المجتمع المعاصر لا تتم فقط بإتقان الأصول والفقه التقليدي بل تتطلب الغوص في علوم العصر وفهم آليات التفكير الأكاديمي ولذلك أختار الطريق الأصعب والمكابدة الأعظم و يسجل التأريخ شهادة ناصعة لوالده آية الله السيد إسماعيل الصدر حين سئل يوما عن أبنه سماحة السيد حسين الصدر فأجاب بأن حمله ثقيل جدا إذ أنبرى لدراسة مسارين متوازيين في آن واحد وهي الدراسة الأكاديمية النظامية و الدراسة الحوزوية التخصصية حيث كان كل مسار منهما ينوء بالعصبة أولي القوة ويحتاج إلى مجهود أستثنائي وأعباء كبيرة و هذه المزاوجة العبقرية هي التي منحت السيد الصدر تفوقه المنهجي العالي فإن الأكاديميا علمته المنهجية البحثية الحديثة والتنظيم الإداري ولغة العصر بينما منحته الحوزة الأصالة الفقهية وعمق الأستنباط والاتصال بنبع التشريع الصافي وبهذا الجمع لم يعد سماحته مجرد فقيه يقرأ النصوص القديمة بل أصبح مفكرا إجتماعيا يقرأ الواقع المتغير ويستنبط له أحكاما تتواءم مع مقاصد الشريعة العليا و ما مهد الطريق لبروز منهجه الرائد في مرجعية الأعتدال و الإسلام العملي.

 

 

سنوات الجمر والمحنة الصمود الأسطوري في وجه الدكتاتورية _

 

إن المعادن الأصيلة لا تختبر في أوقات الرخاء فقط بل تمتحن في أتون النيران ولم تكن العقود التي عاشها السيد حسين الصدر في شبابه وكهولته في العراق عقود سلام بل كانت حقبة من أشد الحقب دموية وقسوة في تأريخ العراق و الشرق الأوسط المعاصر فمنذ تسلط حزب البعث الإرهابي على السلطة في العراق العام 1968. بدأت حملة شعواء و أستئصالية ضد الحوزة العلمية ورموزها في النجف الأشرف والكاظمية المقدسة وبقية المدن المقدسة تعرض السيد حسين الصدر و نظرا لنشاطه الواسع ومتبنياته الفكرية والتغييرية لحملة مضادة وقاسية جدا و لقد رأى بأم عينيه رفاق دربه ومعظم طلبته في الحوزة العلمية يساقون إلى المشانق وزنازين الإعدام والتصفيات الجسدية المشروعة و في تلك اللحظات التأريخية الفارقة حيث كان الخوف يبتلع الشوارع والموت يتربص بكل عمامة وبكل قلم حر ظهرت الصلابة الفولاذية للسيد حسين الصدر و لم يثنه هذا الإرهاب البعثي المنظم عن الأستمرار في نهجه التغييري ومسؤوليته الشرعية والأخلاقية.

 

من إستراتيجية التدرج ووصية الدم لم يكن سماحته من دعاة التهور الأنتحاري الذي يبيد الطاقات دون جدوى بل كان عقلا إستراتيجيا بارعا جند أتباعه للبدء بعدة مشاريع تغييرية لإحداث النهضة المنشودة في أوساط الأمة معتمدا بذكاء بالغ على سياسة التدرج في طرح متبنياته وعلى مستويات متعددة و هذا التخفي التكتيكي والعمل الدؤوب تحت الركام حفظ خط المرجعية من الأندثار وتتجلى ذروة الشجاعة والألتزام التأريخي في موقفه أوائل العام 1980. إبان فترة الأحتجاز الجبري لعمه سماحة الشهيد آية الله العظمى الفيلسوف الكبير السيد محمد باقر الصدر من قبل أزلام النظام البعثي الإرهابي في تلك الأيام العصيبة التي سبقت الأستشهاد كان السيد حسين الصدر حاضرا وشاهدا في منزل السيد الشهيد الصدر حيث حمله عمه مسؤولية نقل وصيته الروحية والسياسية الأهم وهي أوصيكم بالدعوة فإنها أمل الأمة و قد قام سماحته في نقل هذه الوصية بأمانة تامة إلى خارج العراق و تحديدا إلى السيد عبد العزيز الحكيم لتكون نبراسا ومحركا لخط المعارضة والمقاومة في الخارج و إن رجلا يحمل وصايا الشهداء الأبرار عبر حقول الألغام السياسية والأمنية و هو رجل قد طلق الخوف وباع نفسه لله تعالى والوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى