“الطائفة الشيعية في سوريا _ التأريخ والتحولات ” – محمد المشهداني

محمد المشهداني _ مناشير
شكلت سوريا عبر تأريخها الطويل واحدة من أكثر مناطق الشرق الأوسط _ الإسلامي تعقيدا من حيث البنية الدينية والمذهبية فمنذ الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي لم تكن بلاد الشام مجرد إقليم تابع للخلافة بل كانت مركزا سياسيا وروحيا وثقافيا بالغ التأثير تعاقبت عليه جميع الدول و الإمبراطوريات و أحتضنت تنوعا مذهبيا نادرا وفي قلب هذا التنوع برز الوجود الشيعي بأطيافه المختلفة بوصفه جزءا أصيلا من تأريخ سوريا لا ظاهرة طارئة أو مستحدثة.
إن دراسة الطائفة الشيعية في سوريا لا يمكن أختزالها في البعد السياسي المعاصر ولا في التحالفات الإقليمية الحديثة و لأن جذور هذا الوجود يمتد إلى القرون الإسلامية الأولى وترتبط في عوامل دينية و إجتماعية وجغرافية معقدة فإن الشيعة في سوريا لم يكونوا جماعة واحدة متجانسة بل ضموا الإثني عشرية و الإسماعيلية والعلويين إضافة إلى جماعات صغيرة متفرقة نشأت في ظروف تأريخية مختلفة و من أجل فهم هذه الظاهرة التأريخية لا بد من العودة إلى البدايات الأولى للصراع السياسي والمذهبي في الإسلام ثم تتبع تحولات الوجود الشيعي في بلاد الشام عبر العصور الأموية و العباسية والفاطمية والأيوبية والعثمانية وصولا إلى العصر الحديث و الدولة السورية المعاصرة.
أن الجذور الأولى للتشيع في بلاد الشام حيث أرتبطت سوريا منذ البداية في العهد الأموي و التي أتخذت من دمشق عاصمة لها ولذلك أصبحت بلاد الشام المعقل السياسي الأكبر للخط الأموي في مقابل العراق الذي كان بيئة و قاعدة أساسية لآل البيت عليهم السلام وقد أدى هذا الأنقسام السياسي إلى خلق صورة تأريخية مفادها أن بلاد الشام كانت سنية أموية في الكامل بينما كان العراق شيعيا علويا في الكامل و غير أن هذه الصورة تبسيطية إلى حد بعيد فعلى الرغم من النفوذ الأموي القوي وجد في بلاد الشام منذ القرن الأول الهجري أفراد وجماعات متعاطفة مع السادة آل البيت _ عليهم السلام و خاصة بعد الأحداث الكبرى التي هزت الوعي الإسلامي مثل أستشهاد الإمام علي بن أبي طالب _ عليه السلام و الإمام الحسن عليه السلام و ثم مأساة واقعة الطف _ كربلاء في العام 61 هجري _ 680 ميلادي. وقد تركت حادثة أستشهاد الإمام الحسين عليه السلام _ أثرا نفسيا عميقا حتى داخل البيئة الإجتماعية في بلاد الشام نفسها خصوصا بعد الروايات التي تحدثت عن أستياء بعض سكان أهالي دمشق من الطريقة التي أدخل بها السبايا _ الهاشميات آل البيت صلوات الله تعالى وبركاته عليهم إلى المدينة.
ومع سقوط الدولة الأموية وصعود الدولة العباسية بدأت بعض الجماعات الشيعية تنشط في أطراف بلاد الشام مستفيدة من ضعف القبضة المركزية ومن الطبيعة الجبلية لبعض المناطق خاصة في الساحل السوري والجبال الداخلية وهنا نقصد
الطائفة العلويون ونشأة المجتمع الجبلي حيث يعد العلويون من أبرز المكونات الشيعية في سوريا وإن كان تصنيفهم المذهبي موضع نقاش تأريخي وفقهي طويل تعود جذور الطائفة العلوية إلى القرن الثالث الهجري وتنسب إلى محمد بن نصير النميري الذي أرتبط في بعض الدوائر الشيعية الإمامية في العراق و
بعدها تطورت الجماعة العلوية لاحقا في بيئات جبلية معزولة على الساحل السوري خاصة في جبال مدن اللاذقية وطرطوس حيث ساعدت الطبيعة الجغرافية على تشكيل مجتمع مغلق نسبيا يحافظ على واقع خصوصيته العقائدية والثقافية و السياسية لقرون طويلة و تعرض العلويون عبر التأريخ إلى موجات متكررة من الأضطهاد و التهميش سواء من بعض السلطات المركزية في سوريا أو من القوى المحلية المختلفة وهو الأمر الذي دفعهم إلى المزيد من الأنعزال وقد عاشوا في ظروف إقتصادية صعبة خلال العهدين المملوكي والعثماني حيث كانت مناطقهم فقيرة وضعيفة التنمية مقارنة في المدن الكبرى مثل دمشق وحلب و لكن هذا الأنعزال لم يمنع الطائفة العلوية من تطوير نظام إجتماعي وديني خاص بها يقوم على الزعامات الروحية والعلاقات العشائرية و مع حضور قوي للرمزية الدينية المرتبطة في السادة آل البيت _ عليهم السلام.
منها الإسماعيليون في سوريا إلى جانب العلويين حيث لعب الإسماعيليون دورا مهما في التأريخ الشيعي _ السوري وقد أزدهر وجودهم خصوصا خلال العصر الفاطمي عندما تمكنت الدولة الفاطمية _ الإسماعيلية من بسط نفوذها على أجزاء واسعة من بلاد الشام في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين. حيث أسس الإسماعيليون مراكز مهمة لهم في مدن وبلدات مثل سلمية ومصياف وأقاموا شبكة من القلاع الجبلية الشهيرة ومن أبرز وأهم الشخصيات المرتبطة في تأريخهم في سوريا حسن الصباح و رشيد الدين سنان و المعروف في المصادر الأوروبية بأسم شيخ الجبل.
وقد لعبت الجماعات الإسماعيلية أدوارا سياسية
و عسكرية و إجتماعية بارزة ومهمة خلال فترة الحروب الصليبية مستفيدة من الطبيعة الجبلية الحصينة لمناطقها إلا أن نفوذهم تراجع تدريجيا مع صعود الدولة الأيوبية بقيادة صلاح الدين الأيوبي التي أعادت ترسيخ المذهب السني في بلاد الشام بعد قرون من الوجود الفاطمي _ الشيعي .
حقبة العصر الفاطمي والتحول المذهبي _ شكل العصر الفاطمي نقطة مفصلية في تأريخ الشيعة في سوريا فقد دخل الفاطميون العاصمة دمشق عدة مرات وسيطروا على أجزاء واسعة من بلاد الشام لفترات متفاوتة وخلال هذه المرحلة شهدت بعض المدن السورية أنتشارا للمذهب الإسماعيلي _ الشيعي و كما أزداد الحضور الرمزي للسادة آل البيت _ عليهم السلام في الحياة الدينية و لكن السيطرة الفاطمية لم تكن مستقرة في الكامل إذ واجهت أشتباكات من القوى المحلية ومن العباسيين والسلاجقة _ الأتراك و كما أن التعدد المذهبي داخل سوريا جعل من الصعب فرض تحول مذهبي شامل وعندما جاء الأيوبيون أعادوا بناء المؤسسات السنية وخاصة المدارس الشرعية والمساجد الكبرى في إطار مشروع سياسي وديني هدفه الحد في مواجهة النفوذ الشيعي و الفاطمي _ الإسماعيلي معا وقد أدى ذلك إلى أنحسار كبير للحضور الشيعي السياسي و الديني وإن بقي الوجود الإجتماعي قائما في بعض المناطق.
الشيعة في سوريا إبان العهد العثماني _ حيث
مع دخول العثمانيين إلى بلاد الشام في القرن السادس عشر أصبحت البلاد جزءا من إمبراطورية سنية واسعة تبنت المذهب الحنفي رسميا ونظر العثمانيون بعين الريبة إلى الجماعات الشيعية خصوصا بسبب الصراع مع الدولة الصفوية في إيران
أنعكس هذا الصراع على أوضاع الشيعة في سوريا حيث تعرضت بعض الجماعات خاصة الطائفة العلوية إلى التهميش والأتهامات السياسية والدينية و كما بقيت المناطق الجبلية الشيعية أقل حظا من حيث التنمية الإقتصادية والبنية الإدارية ومع ذلك حافظت هذه الجماعات الشيعية على وجودها الديموغرافي والثقافي و أستمرت شبكاتها الإجتماعية والدينية المحلية وفي الوقت نفسه شهدت بعض المدن السورية وجودا محدودا للشيعة الإثني عشرية خاصة في العاصمة دمشق وحلب نتيجة التجارة والهجرات الدينية.
وصولا إلى الأنتداب الفرنسي وصعود الأقليات _
بعد سقوط الدولة العثمانية وفرض الأنتداب الفرنسي على سوريا عقب الحرب العالمية الأولى دخلت البلاد مرحلة جديدة من إعادة تشكيل البنية السياسية و الإجتماعية حيث أعتمد الفرنسيون سياسة تقوم على الأستفادة من الأقليات والطوائف في إدارة البلاد فأنشأوا كيانات إدارية منفصلة منها دولة العلويين _ الشيعة في الساحل السوري وقد ساهم ذلك في تعزيز الهوية السياسية للطائفة العلوية بعد قرون من التهميش و كما أنخرط أبناء الأقليات ومنهم العلويون والإسماعيليون _ الشيعة في الجيش والمؤسسات الأمنية بأعتبارها مسارات للترقي الإجتماعي في مجتمع كانت تهيمن عليه النخب المدينية السنية التقليدية ومن هنا بدأت التحولات العميقة التي ستؤثر لاحقا في تأريخ سوريا الحديث.
العلويون _ الشيعة و الدولة السورية الحديثة
شهد النصف الثاني من القرن العشرين صعودا تدريجيا للضباط العلويين داخل الجيش العربي السوري خاصة بعد سلسلة من الإنقلابات العسكرية التي أعقبت الإستقلال وخاصة ومع وصول حزب البعث السوري إلى سدة الحكم في العام 1963. تعزز نفوذ الضباط المنحدرين من الأقليات الريفية وفي مقدمتهم العلويون _ الشيعة و من ثم جاء وصول حافظ الأسد إلى إدارة السلطة في العام 1970. ليشكل لحظة مفصلية في تأريخ الطائفة العلوية _ الشيعية خاصة وسوريا عامة حيث فقد أصبح لأول مرة في تأريخ البلاد رئيس ينتمي إلى الطائفة الشيعية و أدى ذلك إلى تغيرات إجتماعية وسياسية عميقة حيث صعدت شرائح واسعة من أبناء الريف والطائفة العلوية إلى مواقع النفوذ في مفاصل الدولة منها الجيش والأمن والإدارة وفي المقابل ظهرت توترات مذهبية و سياسية خاصة مع جماعات إسلامية سنية متشددة رأت في النظام تمثيلا غير متوازن للسلطة ورغم أن النظام السوري قدم نفسه بوصفه نظاما بعثيا قوميا علمانيا ولكن البعد الطائفي ظل حاضرا في تحليل كثير من الباحثين خصوصا في ما يتعلق ببنية المؤسسة الأمنية والعسكرية.
الشيعة الإثنا عشرية _ في سوريا المعاصرة إلى جانب العلويين والإسماعيليين يوجد في سوريا حضور للشيعة الإثني عشرية وإن كان أقل عددا تركز هذا الوجود في مناطق مثل العاصمة دمشق وريفها و بعض القرى في مدن إدلب وحلب وحمص و قد أكتسبت بعض المقامات الدينية الشيعية في سوريا أهمية كبيرة وعلى رأسها مقام السيدة زينب _ عليها السلام في ضاحية العاصمة دمشق الجنوبية الذي تحول إلى مركز ديني بارز للزوار الشيعة من مختلف أنحاء العالم العربي و الإسلامي ومع تصاعد الوجود الإيراني بعد الثورة الإسلامية في العام 1979. حيث أزدادت الروابط بين سوريا وإيران سواء على كل من المستوى السياسي و الديني و الإجتماعي وقد أنعكس ذلك على تنامي المؤسسات الدينية والثقافية المرتبطة في التشيع الإثني عشري داخل سوريا.
وصولا إلى الحرب السورية والتحول الكبير _ أدت الحرب الأهلية السورية التي إندلعت في العام 2011. إلى إعادة تشكيل الخريطة الطائفية والسياسية في البلاد بصورة عميقة فقد دخل العامل المذهبي بقوة في الصراع مع مشاركة القوئ الشيعية من إيران وحزب الله المنصور إلى جانب الحكومة السورية و كما تعرضت بعض المناطق الشيعية للحصار و الهجمات الإرهابية في حين شهدت البلاد موجات نزوح وتغيير ديموغرافي أثارت جدلا واسعا وخلال الحرب أصبحت الهوية الطائفية أكثر حضورا في الخطاب السياسي والإعلامي وهو الأمر الذي عمق الأنقسامات المجتمعية وأعاد فتح ملفات تأريخية ظلت كامنة لعقود طويلة.
إن تأريخ الشيعة في سوريا هو تأريخ طويل و معقد و متداخل لا يمكن أختزاله في صورة نمطية واحدة فهو يمتد من التعاطف المبكر مع السادة آل البيت _ عليهم السلام في العصر الأموي إلى نشوء فرق و جماعات مذهبية مستقلة في الجبال والمدن مرورا في العصور الفاطمية والعثمانية و صولا إلى الدولة الحديثة والصراعات المعاصرة وقد لعبت الجغرافيا و السياسة والإقتصاد والدين أدوارا متشابكة في تشكيل هذا التأريخ و كما أن التنوع داخل الجماعات الشيعية نفسها يجعل من الضروري التعامل مع الموضوع بوصفه فسيفساء شيعية متعددة الطبقات لا كتلة موحدة.
وفي النهاية فإن فهم الشيعة في سوريا لا يعني فقط دراسة طائفة دينية فقط بل يعني أيضا فهم جزء أساسي من تأريخ سوريا الديني و الإجتماعي والسياسي ومن تأريخ المشرق العربي .



