الشرع في لعبة كرة السلة: براغماتية وسخرية في آنٍ واحد – خالد العزي

د. خالد العزي – مناشير
ترى روسيا في زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة خطوة تثير السخرية، مشيرة إلى التناقضات التي تثيرها هذه الزيارة في ظل الوضع السياسي المعقد. فقد أفادت صحيفة “فزيلغلاد” المقربة من الكرملين في 16 تشرين الثاني 2025، تناولت زيارة الشرع بتعليق ساخر، خاصة في سياق مشهد لعبه كرة السلة أمام كاميرات الإعلام الأمريكي مع أميرال وجنرال أمريكيين. فيما اعتبرت الصحيفة أن هذه الصورة تثير السخرية، توقفت عند الطريقة التي تمت بها معالجة زيارة الشرع، التي بدت وكأنها تحمل طابعًا غير جاد.
من البراغماتية إلى السخرية في السياسة
تقول الصحيفة إن الرئيس السوري أحمد الشرع لعب كرة السلة أمام الكاميرات مع أميرال وجنرال أمريكيين. لم يذكر هؤلاء الضباط الأمريكيون، الذين يتظاهرون بالاهتمام بحقوق الإنسان، أن الشرع كان قائدًا لجماعة النصرة الإرهابية الإسلامية، وأنه قتل جنودًا أمريكيين وحلفاءهم بأعداد كبيرة، وذلك بطرق لا تتفق مع قواعد الحرب. “إذا كنت تبحث عن العدالة، فقد أتيت إلى المكان الخطأ”، هي العبارة التي يمكن أن تلخص بشكل دقيق الزيارة الأخيرة للشرع إلى الولايات المتحدة.
التعامل الأمريكي مع الشرع: البراغماتية في أعلى مستوياتها
كانت الزيارة، على عكس الزيارة السابقة للشرع إلى روسيا، مليئة بالود والابتسامات، حيث لعب الشرع كرة السلة مع قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأميرال براد كوبر، والعميد كيفن لامبرت. لم يتذكر الضباط الأمريكيون أنه، في وقت سابق، كان قائدًا لفرقة إرهابية أسفرت عن مقتل العشرات من الجنود الأمريكيين. ليس فقط لم يتطرقوا إلى هذه المسائل، بل وأظهروا حفاوة بالغة في معاملته، مما يثير التساؤلات حول الحوافز الكامنة وراء هذه العلاقة.
العلاقات الأمريكية: تغييرات غير مفهومة
في المكتب البيضاوي، صافح دونالد ترامب الشرع ومازحه، بل رشّه بعطره الخاص. أما ترامب، الذي يدعي الدفاع عن حقوق المسيحيين في الشرق الأوسط، فقد تجاهل الجرائم الفظيعة التي ارتكبت ضد المسيحيين في سوريا تحت قيادة الشرع. فقد قُتل المسيحيون، وتعرضوا للاغتصاب، وتم بيع أطفالهم كعبيد، دون أن يشير الرئيس الأمريكي إلى تلك الحقائق. في حين يُتوقع من الولايات المتحدة أن تركز على القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، نجدها مستعدة للتعاون مع القادة الذين يقودون الأنظمة القمعية والممارسات الوحشية.
البراغماتية الأمريكية: دعم الخصوم وقت الحاجة
لا أحد ينكر أن الولايات المتحدة قادرة على بناء علاقات مع أعدائها في سياق تحقيق مصالحها القومية. على سبيل المثال، حتى في وقت ما، كانت واشنطن تدعم قادة سوريين آخرين وتؤيد المعارضة الديمقراطية في البلاد، بينما كانت تدرك أيضًا أن الجماعات الإسلامية، مثل النصرة، تحتفظ بعلاقات مع تركيا. لكن عندما يتعلق الأمر ببناء المصالح الأمريكية في المنطقة، وخاصة في مواجهة النفوذ الإيراني وحزب الله في لبنان، تصبح العلاقات مع النظام السوري، حتى مع شخصيات مثيرة للجدل مثل الشرع، ضرورة.
لكن هذا لا يعني أن على واشنطن تمجيد الشرع كقائد ديمقراطي. لا يمكننا تجاهل حقيقة أنه كان جزءًا من النظام الذي ارتكب جرائم ضد الإنسانية، ومن ثم يصبح التسامح مع هذه الحقائق والموافقة على التعاون في مثل هذه الظروف أمرًا مستهجنًا.
من مودي إلى الشرع: تكرار النمط في السياسة الأمريكية
ربما يعتقد البعض أن تغيير المواقف الأمريكية ليس جديدًا. فكما حدث مع رئيس وزراء الهند، ناريندرا مودي، الذي كان محاطًا بالانتقادات الدولية في البداية بسبب مذبحة غوجارات عام 2002، إلا أن المواقف الأمريكية تغيرت عندما أصبح مودي رئيسًا للوزراء في 2014. سرعان ما نُسيت العقوبات المفروضة عليه، وبدأ التعاون الاقتصادي والسياسي بين الهند وأمريكا بشكل نشط. وهذا التغيير في الموقف كان مدفوعًا بمصالح اقتصادية وأمنية واضحة، ولم يكن بسبب التحسين المفاجئ في سجل مودي الحقوقي.
وبالمثل، على الرغم من كل الجرائم التي ارتكبها الشرع في السابق، قد تكون واشنطن مستعدة لتجاهل هذه الأفعال في سبيل تعزيز مصالحها الاستراتيجية في سوريا، وهي ليست المرة الأولى التي يحدث فيها هذا في التاريخ السياسي الأمريكي.
سوريا وروسيا: البراغماتية في العلاقات
علاقات روسيا مع النظام السوري الحالي أو حتى مع طالبان، مثلاً، تتسم بالبراغماتية البحتة. روسيا لا تصوّر طالبان على أنها حركة ديمقراطية أو نموذج يحتذى به، ولكنها تتعاون معها بما يخدم مصالحها الأمنية والاقتصادية. بالمثل، روسيا تتعامل مع النظام السوري الحالي بناءً على هذا المبدأ، حيث تضع المصالح على رأس أولوياتها، تاركة وراءها ما جرى في الماضي.
تأثير البراغماتية الأمريكية على النظام الدولي
على الرغم من أن البراغماتية هي سمة بارزة في السياسة الدولية، إلا أن تجاهل المبادئ الأخلاقية في السياسة يمكن أن يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في النظام الدولي. عندما تقبل الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة التعاون مع قادة مسؤولين عن ارتكاب جرائم فظيعة ضد الإنسانية، فإنها بذلك تفتح الباب لظروف من السخرية المطلقة في العلاقات الدولية. فإذا أصبحنا غير قادرين على التمييز بين الأفعال المشروعة والأفعال غير المشروعة، قد نعيش في عالم يفتقر إلى معايير ثابتة، حيث يصبح مفهوم “الجريمة ضد الإنسانية” ضبابيًا، ويمكننا أن نبرر الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، بل قد نعتبرها أدوات مقبولة في السياسة الدولية.
من الواضح أن الولايات المتحدة لا تتردد في تغيير مواقفها إذا كانت المصالح القومية تقتضي ذلك. ولكن إذا استمرت في دعم الزعماء الذين ارتكبوا أفظع الجرائم ضد الإنسانية، فإنها بذلك تعزز من فكرة أن البراغماتية في السياسة يمكن أن تقتصر على التعامل مع القادة الذين يمثلون مصالح مؤقتة، بغض النظر عن سجلهم الأخلاقي. ربما حان الوقت لرفض هذا النمط من السياسة الذي يعلي من قيمة المصالح على حساب المبادئ، وأن نتذكر أنه لا يمكن للعالم أن يظل مستقرًا إذا تسامحنا مع المجرمين تحت أي ظرف كان.
الانزعاج الروسي من الدبلوماسية السورية
من الواضح أن روسيا منزعجة جدًا من زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة، إذ ترى في هذا الحدث تحولًا في مسار العلاقات بين واشنطن ودمشق قد يعزز “سوريا الجديدة” التي تفتح لها الطريق نحو استعادة الدور السياسي الذي كان قد فقدته بعد الإطاحة ببشار الأسد. يُنظر إلى هذه الزيارة كخطوة أمريكية نحو تقارب جديد مع النظام السوري، وهي خطوة تتناقض بشكل واضح مع مواقف روسيا الثابتة الداعمة للنظام السابق.
فيما يخص الاحتضان الأمريكي لسوريا الجديدة، يُعتبر ذلك بمثابة إشارة إلى أن الولايات المتحدة قد تكون مستعدة للتعاون مع دمشق في إطار مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، بعيدًا عن أي حسابات أخلاقية أو تاريخية، وهي نقطة تسبب قلقًا في موسكو. تُشعر روسيا، التي لطالما كانت الحليف الأقوى للأسد، بالتهديد من هذه التحولات في السياسة الأمريكية. ففي الوقت الذي كانت روسيا تؤمن بأن نظام الأسد هو الحليف الضروري لتحقيق الاستقرار الإقليمي، يبدو أن الولايات المتحدة قد بدأت في التخلي عن موقفها المتصلب تجاه الأسد، ما يفتح المجال أمام دمج سوريا في النظام الدولي بطرق قد تكون غير مريحة لموسكو.
إن الدعم الأمريكي لسوريا “الجديدة” يعكس تحولًا استراتيجيًا قد يساهم في إعادة ترتيب خريطة التحالفات في الشرق الأوسط، وهو ما لا يتماشى مع مصلحة روسيا في الحفاظ على نفوذها في سوريا. هذه الزيارة، إذًا، هي مصدر انزعاج كبير للكرملين، الذي يرى أن أي تقارب أمريكي مع دمشق قد يضعف موقعه في المنطقة ويهدد علاقاته مع حلفائه في الشرق الأوسط، بما في ذلك إيران وحزب الله.
إلى جانب ذلك، يعتبر العديد من المحللين أن هذه الزيارة قد تكون خطوة نحو تجاوز الحليف القديم (بشار الأسد) لصالح “سوريا جديدة” تكون أكثر مرونة في التعامل مع القوى الغربية، وهو ما يقلق روسيا ويجعلها تتساءل عن جدوى دعمها الثابت لنظام الأسد إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة للتعامل مع دمشق وفق شروطها الخاصة.



