خبر عاجلسياسةمقالات

السنّة وخطاب القسم: شراكة مهدورة أم إقصاء مقصود في لبنان الجديد – اسامة القادري

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

السنّة وخطاب القسم: شراكة مهدورة أم إقصاء مقصود في لبنان الجديد – اسامة القادري

 

اسامة القادري

كثيرة هي الرسائل التي تصلنا، وننقل بعضها – ولو بقدرٍ أقلّ مما وردنا – كوجهة نظر تعبّر عن قلقٍ متصاعد، تتساءل بوضوح عن واقع الطائفة السنية في “لبنان الجديد” بعد خطاب القسم لفخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون. ويستند هذا القلق إلى معادلة باتت فاضحة: كيف يمكن الحديث عن تجاوز المحاصصة الطائفية، فيما يُراد لهذا المبدأ أن يُطبَّق حصريًا على السنّة، في حين لا تزال باقي المكوّنات الطائفية، الشيعية والمسيحية، تتصارع علنًا على حصصها وفق منطق الكوتا الطائفية، بلا مواربة ولا حرج؟

في المقابل، يبدو السنّة اليوم ضائعين بين وساطات هشّة، ومصادرات سياسية لمصلحتهم، تُدار لصالح قوى طارئة وفطريات سياسية نبتت في زمن الوصاية السورية، ثم انتقلت بإرادتها أو بإرتهانها إلى الوصاية السعودية الجديدة، لتعيش على هامش الحياة السياسية، من دون تمثيل فعلي أو شرعية شعبية حقيقية. وفي وقت يمار رئيس الحكومة نواف سلام دوره في رئاسة الحكومة كموظف لا كمرجعية سياسية سنية لها حيثية سياسية وشعبية كباقي المكونات السياسية في البلد.

من هنا، يتساءل أبناء الطائفة السنية الذين يعتبرون نفسهم في لبنان انهم ام الصبي وهم البوابة العروبية المشرعة نحو المحيط العربي، يتساءلون بمرارةٍ مشروعة، عن مصير خطاب القسم لفخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون؛ ذاك الخطاب الذي أُغدقت عليه الوعود، وعُلّقت عليه الآمال، ورآه اللبنانيون، وخصوصًا السنّة، خشبة خلاص أخيرة لوطنٍ أنهكته الأزمات المتراكمة، والاغتيالات السياسية، والانهيار المؤسسي، والانفلات المعيشي، وتفكّك الدولة. ويتضاعف هذا القلق في ظلّ تشتّت الساحة السنية نتيجة الإقصاء المنهجي لمرجعها الأكثر تمثيلًا، الرئيس سعد الحريري، وإخراج تيار المستقبل قسرًا من الحياة السياسية، في مشهدٍ يشبه عملية تفريغ متعمّدة لطائفةٍ بكاملها من دورها الوطني.

هذا التساؤل ليس ترفًا سياسيًا، ولا نزوة اعتراض، بل صرخة شراكة مهدورة. فخطاب القسم، بما تضمّنه من تعهّدات صريحة بالإصلاح، وبناء دولة القانون، واستعادة التوازن في المؤسسات، وتحقيق السيادة الكاملة، وحصر السلاح بيد الدولة، شكّل التزامًا علنيًا بإعادة تكوين الدولة اللبنانية على أسس عادلة. غير أنّ ما تلا الخطاب جاء معاكسًا لروحه، وكشف فجوةً خطيرة بين القول والفعل، لا سيما في ملف التعيينات ومحيط رئاسة الجمهورية. وهنا يُطرح السؤال الجوهري بلا مواربة: أين هم السنّة اليوم من هذه المفاصل المصيرية في إعادة صياغة لبنان الجديد؟

يبدأ العتب، ويتحوّل سريعًا إلى اتهام سياسي واضح، من تهميش الطائفة السنية وتغييبها شبه الكامل، حتى عن المواقع الاستشارية التابعة مباشرة لرئاسة الجمهورية. ففي وقت جرى فيه توزيع هذه المواقع على مختلف الطوائف، غاب السنّة بالكامل، وكأنّهم فائض وطني أو مكوّن قابل للشطب. وهذا الواقع لا يمكن فصله عن مسارٍ طويل من الإقصاء السياسي والأمني غير المعلن، لكنه الممنهج، والذي يستهدف طائفة كانت ولا تزال حجر الأساس في قيام لبنان الكبير، وفي بناء دولته ودستوره وإدارته واقتصاده.

السنّة في لبنان لا يطلبون امتيازات، ولا يسعون إلى محاصصة فوق أحجامهم، لكنهم يرفضون أن يتحوّلوا إلى شهود زور أو ضحايا تسويات تُبنى على حسابهم. مطلبهم واضح وبسيط: شراكة فعلية غير منقوصة، واحترام موقعهم الوطني ودورهم التاريخي في حماية الدولة وصيغة العيش المشترك

السنّة في لبنان لا يطلبون امتيازات، ولا يسعون إلى محاصصة فوق أحجامهم، لكنهم يرفضون أن يتحوّلوا إلى شهود زور أو ضحايا تسويات تُبنى على حسابهم. مطلبهم واضح وبسيط: شراكة فعلية غير منقوصة، واحترام موقعهم الوطني ودورهم التاريخي في حماية الدولة وصيغة العيش المشترك. فأي دولة تُبنى على كسر التوازن، أو على تغييب مكوّن أساسي فيها، هي دولة مرشّحة للانفجار لا للاستقرار.

إنّ الاستمرار في هذا النهج لا يعكس خللًا في التقدير فحسب، بل يوجّه رسائل سياسية خطيرة في لحظة مفصلية يحتاج فيها لبنان إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، وبين رئاسة الجمهورية ومختلف البيئات الوطنية. فخطاب القسم لا قيمة له إن بقي حبرًا على ورق، ولا يُقاس بجماليته الخطابية، بل بمدى التزام أصحابه بتنفيذه وترجمته إلى قرارات وممارسات ملموسة.

من هنا، فإنّ المطلوب اليوم ليس دعوات تهدئة شكلية، ولا شعارات جامعة بلا مضمون، بل مراجعة جريئة وصريحة تعترف بالخلل وتعالجه، وتعيد وصل ما انقطع بين الوعود والتطبيق. فإما أن تكون رئاسة الجمهورية مظلّة فعلية لكل اللبنانيين بلا استثناء، وإما يسقط خطاب القسم سياسيًا ومعنويًا. وحدها المقاربة العادلة والشجاعة قادرة على إنقاذ ما تبقّى من ثقة، وتحويل خطاب القسم من نصٍّ مؤجَّل إلى مسار إنقاذي حقيقي لوطنٍ لم يعد يحتمل خيبات إضافية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى