خبر عاجلسياسةمقالات

الحرب على لبنان… والقضية الوطنية الغائبة: الكارثة الاقتصادية والاجتماعية – زكـي طـه

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

الحرب على لبنان… والقضية الوطنية الغائبة: الكارثة الاقتصادية والاجتماعية – زكـي طـه

 

كتب زكـي طـه في بيروت الحرية

 

تتواصل الحرب الإسرائيلية على لبنان بأشكال متعددة، وتتواصل معها مسارات التفاوض الإقليمية والدولية، سواء بين الولايات المتحدة وإيران، أم بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية. وفي المقابل، يستمر السجال الداخلي بين أطراف السلطة وسائر القوى السياسية حول السلاح، والتفاوض، والمسؤوليات، وعلاقات لبنان الخارجية. إنه المشهد الصاخب والعبثي الذي يخفي وراءه قضايا أساسية، وبعضها لا تقل خطورة عن الحرب نفسها، بل قد تكون إحدى أخطر نتائجها بعيدة المدى، وهي الكارثة الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية التي يعيشها اللبنانيون، ولا سيما في المناطق التي تعرضت، ولا تزال، للتدمير والتهجير.

 

ففي الوقت الذي ينشغل فيه أهل السلطة، ومعظم القوى السياسية، بتبادل الاتهامات والمراهنة على نتائج المفاوضات الجارية والمتعثرة في آن، تتراجع إلى الهامش الأسئلة التي تمس حياة الناس مباشرة: كيف يعيش عشرات آلاف النازحين؟ وكيف تؤمن العائلات التي دُمّرت منازلها ومساكنها؟ وماذا عن القرى التي دُمّرت بنيتها التحتية ومصادر رزق المواطنين فيها؟ وأين أصبحت خطط الإغاثة، وإعادة الإعمار، والتنمية، واستعادة الحياة الاقتصادية؟ ومن يدافع عن حقوق المتضررين في مواجهة اتساع دائرة الفقر والبطالة والتهميش؟

 

لا يمكن اعتبار هذا الغياب مجرد تقصير إداري أو تأخير في المعالجة، بل هو نتيجة وانعكاس لخلل أعمق في أولويات الحياة السياسية اللبنانية. فالسجال الدائر بين اللبنانيين، على أهميته، والتي تؤكدها مساهمة القوى الخارجية في تغذيته وتزخيمه انطلاقاً من مصالحها، يتحول في كثير من الأحيان إلى ستار يحجب النتائج الكارثية للحرب على المجتمع، وإلى ذريعة لتأجيل البحث في معالجتها، فيما تستمر معاناة الناس تأزماً يوماً بعد يوم.

 

ليس المقصود التقليل من أهمية القضايا السياسية والأمنية المطروحة، ولا من خطورة المفاوضات الجارية، سواء الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، أو الجارية خلافاً لرغبة الآخيرة بين لبنان وإسرائيل بإدارة اميركية كاملة. وفي المسارين تتداخل الملفات، وتُستخدم جميع الأوراق المتاحة لإعادة رسم توازنات القوى، بما في ذلك التصعيد الميداني والضغوط السياسية والاقتصادية. لكن هذه المسارات، مهما بلغت أهميتها، لا تلغي حقيقة أن الحرب أصابت المجتمع اللبناني في صميمه، وأن إعادة بناء الدولة لا تبدأ من التفاهمات الخارجية وحدها، بل من حماية المجتمع الذي يفترض أن تقوم الدولة على خدمته والدفاع عن مصالحه.

 

لقد سبق أن أكدنا مراراً أن التجربة اللبنانية انتهت إلى خلاصة أساسية، مفادها أن مواجهة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية لا يمكن أن تقوم على إضعاف الدولة أو استبدالها، بل على إعادة بنائها بوصفها المرجعية الوطنية الوحيدة القادرة على توحيد المجتمع، وصون السيادة، وإدارة الخيارات الدفاعية وفق الشرعية الدستورية والمصلحة الوطنية العليا. واليوم، تفرض هذه الرؤية نفسها على صعيد آخر أيضاً، فلا يمكن بناء الدولة إذا ما تُرك المجتمع يواجه وحده نتائج الحرب، ولا يمكن الحديث عن السيادة فيما يتآكل الأساس الاقتصادي والاجتماعي الذي تقوم عليه حياة المواطنين.

 

إن أخطر ما يرافق المرحلة الراهنة، والمرشحة للاستطالة، هو أن الكارثة الاجتماعية تكاد تغيب عن النقاش العام. فالنازحون، والعائدون إلى القرى المدمرة، والأسر التي فقدت مساكنها أو مصادر دخلها، لا يحضرون في الخطاب السياسي إلا بوصفهم أرقاماً، أو مادة للتجاذب، أو وسيلة لتبادل المسؤوليات. أما حقوقهم، ومطالبهم، ومستقبلهم، فتغيب عن جدول الأعمال الوطني.

 

والأخطر من ذلك أن القوى السياسية المتصارعة تسعى، من مواقعها الفئوية المختلفة، إلى إبقاء المتضررين أسرى خطاب التحريض والتحشيد الطائفي، وغايتها تكريس الانقسام القائم. فبدلاً من أن يتحول هؤلاء إلى قوة اجتماعية تطالب بحقوقها، يجري دفعهم إلى الانخراط في سجالات عبثية، سمتها العامة، إصدار وتبادل شهادات الوطنية والتخوين، على نحو لا يغيّر من أوضاعهم شيئاً، بقدر ما يساهم في تعقيدها والتعمية عليها، عبر إعادة إنتاج الاصطفافات الأهلية والنزاعات الموروثة، وهي نفسها التي ساهمت في إضعاف المجتمع والدولة معاً.

 

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن أي سؤال سياسي آخر: لماذا تُنصب الحواجز وتقام المتاريس امكانية تنظيم هذه الفئات لصفوفها بصورة ديمقراطية ومستقلة؟ ولماذا لا تُشجع على تشكيل لجان تمثلها، وتحدد أولوياتها، وتطالب بحقوقها في السكن، والعمل، والتعليم، والرعاية الصحية، والتعويض، وإعادة الإعمار؟ ولماذا يبقى صوتها خافتاً، فيما ترتفع أصوات القوى المتنازعة باسمها؟

 

إن الدفاع عن حقوق المتضررين ليس قضية إنسانية فحسب، بل هو جزء لا يتجزأ من القضية الوطنية. فالمجتمع الذي يعجز عن حماية مواطنيه في أوقات المحن، أو يتركهم رهائن للفقر والتهجير وانتظار التسويات التي تُقرَّر في الخارج، يفقد أحد أهم مقومات صموده الوطني. كما أن إعادة الإعمار وترميم الأبنية لا تستقيم من دون إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وإعادة الاعتبار للمواطن بوصفه الغاية الأولى لأي سياسة عامة.

 

ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الدولة وحدها، على الرغم من أنها تتحمل المسؤولية الأولى في وضع خطة وطنية للإغاثة، وحماية المتضررين، وتأمين مقومات الصمود، والتحضير لإعادة الإعمار متى توافرت شروطها السياسية والمالية. بل تمتد أيضاً إلى المجالس البلدية والسلطات المحلية، التي تواجه اليوم امتحاناً حقيقياً في مدى انتمائها إلى مصالح المواطنين الذين انتخبوها، وفي قدرتها على المبادرة إلى إحصاء الأضرار، وتنظيم الجهود المحلية، ومتابعة حقوق المتضررين، وعدم الاكتفاء بدور الوسيط بين الأهالي والإدارات المعنية.

 

وفي هذا السياق، تبرز أهمية المبادرات التي يجب أن يقودها أبناء القرى والبلدات المتضررة، ولا سيما الشباب من النازحين والعائدين، بوصفهم القوة الاجتماعية الأكثر التصاقاً بحاجات مجتمعاتهم، والأقدر على الإسهام في تنظيم المطالب، والدفاع عن حق الأهالي في العودة الكريمة، وإعادة الإعمار، واستعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية. فإعادة بناء القرى لا تقتصر على ترميم الأبنية ورفع الأنقاض، على أهمية ذلك، بل تبدأ أولاً بإحياء المجتمع المحلي، وتنظيم طاقاته، وتمكينه من أن يكون شريكاً فاعلاً في رسم أولويات الإنقاذ والدفاع عنها.

 

وفي الإطار ذاته، تقع مسؤولية خاصة على القوى الديمقراطية والمستقلة، وعلى اليساريين، والحركات الاجتماعية، والنقابيين، وكل من يدّعي الدفاع عن العدالة الاجتماعية. فهذه القوى مطالبة بأن تعيد إدخال النتائج الاقتصادية والاجتماعية للحرب إلى قلب النقاش الوطني، وأن تبادر إلى العمل مع المتضررين، لا بالنيابة عنهم، وأن تساهم معهم في تنظيم أنفسهم، وصوغ مطالبهم، والدفاع عنها في إطار وطني جامع، بعيداً عن الاصطفافات الطائفية والمحاور الإقليمية.

 

إن القضية الوطنية اليوم لا تختصر في إدارة التفاوض، ولا في السجال حول موازين القوى وتحليل النتائج، ولا في تزخيم السجالات العبثية، أو إدمان رفع الشعارات وإعداد البرامج، بل تشمل، قبل كل شيء، الدفاع عن المجتمع الذي يدفع أثمان الحرب، وعن حق اللبنانيين في العيش الكريم، والعودة إلى قراهم، واستعادة مصادر رزقهم، والمشاركة في تقرير مستقبلهم.

 

فلا دولة قوية من دون مجتمع قادر على الصمود، ولا سيادة فعلية إذا بقي المواطن الحلقة الأضعف في معادلات الحرب والتفاوض. ومن هنا، فإن إعادة الكارثة الاقتصادية والاجتماعية إلى صلب الاهتمام الوطني لم تعد مجرد أولوية اجتماعية أو مطلب إنساني، بل أصبحت ضرورة وطنية وأخلاقية، ومدخلاً لا غنى عنه لأي مشروع جدي لإنقاذ لبنان وإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة والسيادة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى