الإمام موسى الصدر والنجف الأشرف: حين غادر الفقيه أسوار الحوزة ليصنع مشروع أمة – محمد المشهداني

محمد المشهداني _ مناشير
مرت عقود على أختطاف الإمام موسى الصدر و لكن الغياب لم يضعف حضوره بقدر ما كشف عمقه الحقيقي فإن بعض الشخصيات لا تقرأ جيدا وهي في قلب المشهد بل تحتاج إلى مسافة زمنية كي يظهر حجمها التأريخي وأن السيد موسى الصدر من هذا النوع النادر من الرجال الذين يتحولون بعد غيابهم إلى ظواهر فكرية وسياسية تتجاوز حدود الطائفة والجغرافيا وحتى اللحظة التأريخية التي عاشوها.
لم يكن الإمام السيد موسى الصدر رجل خطاب ديني تقليدي _ كلاسيكي ولا رجل سياسة عابر فقط بل كان مشروعا كاملا لإعادة تعريف العلاقة بين الدين والإنسان والدولة والمجتمع ومن هنا فإن أي محاولة لفهم تجربته اللبنانية تبقى ناقصة ما لم تقرأ جذورها العراقية وتحديدا مرحلته النجفية التي تبدو حتى اليوم من أقل المراحل المدروسة في سيرته رغم أنها ربما كانت المرحلة الأكثر تأثيرا في تكوينه العقلي والسياسي.
مدينة النجف الأشرف التي دخلها الإمام السيد موسى الصدر في عقد الخمسينيات القرن العشرين لم تكن مدينة دينية معزولة كما قد يتخيل البعض بل كانت عاصمة فكرية تضج في الصراعات الكبرى و هناك كان العراق يعيش أحتداما سياسيا عنيفا بين الملكية و الجمهورية و بين الشيوعية و القومية و بين النفوذ الغربي والمد الناصري وبين الحوزة العلمية التقليدية والتيارات و الأحزاب الإسلامية الصاعدة وفي قلب هذا المخاض وقف شاب معمم قادم من مدينة قم المقدسة _ إيران يحمل هاجسا مختلفا كيف يمكن للإسلام أن يعود فاعلا في الحياة لا مجرد تراث محفوظ في الكتب؟.
لم يذهب السيد موسى الصدر إلى النجف الأشرف باحثا عن مرجعية تقليدية أو مجدا شخصيا و لم يكن هاجسه أن يصبح فقيها منعزلا في أروقة الحوزة العلمية بل كان يشعر باكرا أن أزمة المسلمين ليست أزمة فقه فقط بل أزمة حضور حضاري شامل ولذلك كانت النجف الأشرف بالنسبة إليه ضرورة تأريخية لا مجرد خيار علمي و لقد وفرت النجف الأشرف للسيد موسى الصدر ما لم تكن مدينة قم المقدسة قد وفرته له بعد الأحتكاك المباشر بمشروع سياسي إسلامي يتكون في الخفاء و ففي تلك السنوات كان أبن عمه المفكر الكبير الشهيد السيد محمد باقر الصدر يصوغ أهم محاولة شيعية حديثة لإنتاج نظرية إسلامية في السياسة والإقتصاد والمجتمع حيث كان يكتب كتب فلسفتنا و إقتصادنا ويؤسس لحزب الدعوة الإسلامية و يخوض مواجهة فكرية شرسة مع الشيوعية والقومية والعلمنة.
هنا تحديدا تكمن أهمية المرحلة النجفية في حياة الإمام السيد موسى الصدر إذ إنه وجد نفسه أمام تجربة فكرية غير مسبوقة داخل الحوزة العلمية و فإن الحوزة التي عاشت قرونا طويلة في موقع الدفاع أو الحياد السياسي بدأت تنتج جيلا جديدا من المراجع و العلماء يؤمن بأن الإسلام لا يمكن أن يبقى خارج معركة التأريخ ومن بين هؤلاء كان الشهيد السيد محمد باقر الصدر الشخصية الأكثر تأثيرا وجرأة وعمقا.
حيث شكل السيد محمد باقر الصدر بالنسبة إلى أبن عمه السيد موسى الصدر أكثر من مجرد قريب أو زميل دراسة بل لقد كان النموذج الفكري الذي أقنعه في إمكانية الجمع بين الأجتهاد الفقهي و العمل السياسي والحركة الإجتماعية ومن خلاله بدأ الإمام السيد موسى الصدر يدرك أن العالم الديني لا ينبغي أن يكون موظفا في الماضي بل قائدا لمستقبل الأمة ولذلك لم تكن العلاقة بين الرجلين علاقة تقليدية بين عالمين دينيين بل علاقة مشروعين يتكاملان كان السيد محمد باقر الصدر يبني النظرية و بينما كان السيد موسى الصدر يبحث عن سبل تحويلها إلى تجربة إجتماعية حية الأول يمتلك عبقرية التنظير و الثاني يمتلك عبقرية الحركة والأحتكاك في الناس الأول يؤسس فلسفيا والثاني يترجم سياسيا و إجتماعيا.
ومن هنا يمكن فهم العبارة الشهيرة التي نقلت عن الإمام السيد موسى الصدر حين قال إنه لا يستطيع البقاء داخل الحوزة العلمية والعمل على الطريقة التقليدية للوصول إلى المرجعية لأن واجبه الحقيقي هو أن يكون بين الناس و هذه العبارة ليست تفصيلا شخصيا بل إعلان مبكر عن إنقلاب كامل في فهم وظيفة رجل الدين.
حيث لقد أدرك السيد موسى الصدر أن المؤسسة الدينية الشيعية تعيش أزمة تأريخية فهي تمتلك تراثا هائلا و لكنها عاجزة عن التأثير في الواقع السياسي و الإجتماعي الحديث وكانت كل التيارات القومية والشيوعية تملأ الفراغ بسرعة مستفيدة من غياب مشروع إسلامي معاصر قادر على مخاطبة الناس بلغة العصر و في النجف الأشرف تعرف الإمام الصدر إلى النقاشات الساخنة حول شرعية العمل الحزبي وحول العلاقة بين الدين والسياسة وحول مفهوم الدولة الإسلامية وحول دور المرجعية الدينية في قيادة المجتمع وهناك شهد أيضا الصراع داخل الحوزة العلمية بين تيار محافظ يرى في السياسة بابا للفتنة والأنحراف وتيار إصلاحي ناشئ يعتبر أن الإبتعاد عن السياسة هو السبب الحقيقي لأنهيار الأمة.
ولم يكن الإمام السيد موسى الصدر متفرجا على هذه السجالات بل كان جزءا عضويا منها و لقد أنحاز بوضوح إلى فكرة التنظيم والعمل الحركي والأنفتاح على قضايا العصر ولذلك تأثر كثيرا في التجربة الوليدة لحزب الدعوة الإسلامية حتى لو لم ينخرط تنظيميا في الحزب بالشكل المباشر.
وهنا لقد فهم السيد موسى الصدر مبكرا أن العمل الفردي مهما بلغ من الإخلاص يبقى عاجزا عن صناعة التحولات الكبرى ولذلك أقتنع في ضرورة بناء مؤسسات وتنظيمات وأطر إجتماعية قادرة على تحويل الأفكار إلى قوة فعلية داخل المجتمع وهذه الفكرة بالذات ستتحول لاحقا إلى جوهر تجربته في لبنان حين أسس حركة المحرومين و حركة أفواج المقاومة اللبنانية – أمل.
النجف الأشرف لم تمنح الإمام السيد موسى الصدر المعرفة الفقهية فقط بل منحته أيضا وعيا عميقا بطبيعة الصراع الحضاري في المنطقة هناك شاهد كيف يمكن للأيديولوجيات الحديثة أن تجتاح المجتمعات الإسلامية حين يغيب المشروع الإسلامي القادر على التجدد وهناك أدرك أن الدين إذا لم يتحول إلى مشروع عدالة وكرامة وتنمية فسوف يتحول إلى مجرد طقوس معزولة عن الحياة ولذلك فإن مشروع الإمام السيد موسى الصدر في لبنان لم يكن مشروعا لبنانيا صرفا بل كان أمتدادا واعيا للتجربة الفكرية التي تبلورت في النجف الأشرف فعندما وصل إلى لبنان لم يصل بصفته رجل دين شيعيا يبحث عن زعامة طائفية بل وصل حاملا رؤية متكاملة لإعادة بناء الإنسان العربي و اللبناني و الشيعي سياسيا وثقافيا وإجتماعيا.
حيث لقد نقل إلى لبنان روح النجف الأشرف الإصلاحية لا صورتها التقليدية نقل فكرة الدين المنفتح على العصر وفكرة العالم الديني الذي ينزل إلى الشارع والمصنع والجامعة والمخيم نقل الإيمان بأن الفقر ليس قدرا وأن الحرمان ليس هوية وأن الطائفة يمكن أن تتحول من جماعة مهمشة إلى قوة وطنية فاعلة.
ومن هنا فإن فهم الإمام السيد موسى الصدر بوصفه مجرد زعيم طائفي أو رجل دين كاريزماتي هو أختزال ظالم لتجربته فإن السيد الصدر كان في جوهرة أبن لحظة نهضوية كبرى عاشتها النجف الأشرف في عقدي الخمسينيات و الستينيات حين حاولت الحوزة العلمية أن تعيد تعريف دورها التأريخي في مواجهة الحداثة الغربية والتيارات القومية والأنظمة الأستبدادية.
لقد كانت النجف الأشرف بالنسبة إلى الهمام الإمام السيد موسى الصدر مدرسة في التفكير الإستراتيجي وهناك تعلم أن التغيير الحقيقي لا يصنعه الغضب وحده بل يحتاج إلى صبر تأريخي وإلى مؤسسات وإلى وعي إجتماعي وإلى قدرة على تحويل الدين من طاقة وجدانية إلى مشروع حضاري.
وعندما ننظر اليوم إلى تجربته اللبنانية نفهم أن كثيرا من أفكاره الكبرى ولدت هناك فكرة الدولة العادلة و فكرة مقاومة الحرمان و مقاومة الإحتلال الإسرائيلي و فكرة الأنفتاح الإسلامي _ المسيحي و فكرة المشاركة السياسية للشيعة في لبنان وفكرة تحويل الطائفة من هامش إجتماعي إلى شريك وطني.
لقد خرج الإمام السيد موسى الصدر من النجف الأشرف وهو يحمل أقتناعا حاسما بأن الدين الذي لا يغير الواقع يفقد معناه التأريخي ولذلك لم يكن رجل عزلة بل رجل أقتحام دائم للحياة و لم يكن يرى في العمامة جدارا بينه وبين الناس بل جسرا إليهم وهكذا من قم المقدسة إلى النجف الأشرف ثم إلى جبل عامل المقدس في لبنان لم يكن السيد موسى الصدر ينتقل بين المدن فقط بل كان ينتقل بين مراحل مشروعه التأريخي وفي النجف الأشرف تحديدا ولد ذلك المشروع بصيغته الأكثر وضوحا ونضجا هناك أكتشف أن معركة الأمة العربية والإسلامية ليست فقط مع الأستعمار أو الفقر أو الطائفية بل مع العجز الداخلي عن إنتاج نهضة جديدة.
و في حضرة أبن عمه الفيلسوف الشهيد الكبير السيد محمد باقر الصدر وفي قلب النجف الأشرف المضطربة سياسيا وفكريا أدرك الأمام السيد موسى الصدر فعلا أدرك أن العالم الديني يمكن أن يكون قائدا تأريخيا لا حارسا للماضي فقط وأدرك أن الإسلام ليس ذاكرة جماعية للمسلمين فحسب بل إمكانية مفتوحة لبناء المستقبل.



