اسر/ائيل تحيل الضفة ومدنها العربية “يهودا والسامرة”: حمّى الاستيطان المسلح تتوغل في أعماق دم فلسطين

كتب الدكتور زهير هواري في بيروت الحرية
تصاعدت الهجمة الاستيطانية الصهيونية على القدس والضفة الغربية في الآونة الأخيرة، علما أنها ومنذ ما قبل السابع من تشرين الأول / أكتوبر العام 2023، تشهد قفزات نوعية تتمثل بتكامل في السياسيات والإجراءات المعتمدة لضم هذه المناطق، من قانونية إلى عسكرية وميدانية واقتصادية وثقافية ومالية. فحكومة نتنياهو الأخيرة والتي ضمت إلى جانبه عُتاة اليمين، وضعت في حسابها منذ وصولها إلى الحكم أن تخطو خطوات متقدمة نحو المزيد من ممارسات التهويد العنصرية والفاشية، مستفيدة من المناخ الذي اشاعته عملية طوفان الأقصى، مع ما رافقها من رفض صهيوني للاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني وحقوقه.
والواقع أن المشروع الصهيوني بات ومنذ سنوات يعتمد في تكامل تحقيق أهدافه على الأداء الرسمي – الحكومي، والأهلي الذي يمثله المستوطنون. أما الجيش الذي انتُزعت منه صلاحيات إدارة القطاع، فيعمد دوما إلى التدخل كلما وجد ضرورة لإسناد المستوطنين في هجماتهم على القرى والبلدات والمدن. بالطبع يستهدف مثل هذا التكامل في الأداء السيطرة الجغرافية والديموغرافية على أهل واراضي الضفة، التي يعتبرها المستوطنون بحسب التعبير التوراتي “يهودا” و”السامرة”. وعليه يمكن القول إن ما تهدف إليه اسرائيل بقيادة اليمين الصهيوني في هذه المرحلة بالذات هو توسيع نطاق دولة الاحتلال، وإن لم تصل الأمور بعد إلى إشهار الضم النهائي، وبالتالي مطالبة المجتمع الدولي بالاعتراف بها أرضا اسرائيلية. علما أن ما تمارسه اسرائيل في كل من الجولان والقنيطرة وريفها وجبل الشيخ وجنوب لبنان بمثابة تمهيد لتوسيع “سيادة” دولة الاحتلال عليها، عندما تجد أن الظروف السياسية الدولية باتت ملائمة. ومن المعروف أن ترامب مهد لهذا التوجه، عندما تحدث عن حاجة اسرائيل إلى توسيع نطاقها الجغرافي عما هو عليه. والبديهي أنه ما دام التوسع يستهدف اراضي دول عربية حدودية، فمن الأبسط أن يحسم استراتيجيته تجاه الضفة الغربية التي سيطر عليها منذ العام 1967، أي قبل 59 سنة، ويعتبرها بمثابة “أراض توراتية تدخل في الوعد الآلهي لشعب الله المختار”. وهو ما ترك توقيت الاعلان عنه لرئيس الحكومة عندما يجد الظرف ملائما له. هذا التوجه يترافق مع عدوانية متصاعدة إن لم يكن بواسطة الجيش فمن خلال المستوطنين الذين يمارسون فعلا عدوانيا يوميا من خلال الهجمات التي يتعرض لها الفلسطينيون في بيوتهم وأعمالهم وتنقلاتهم ومراعيهم وطرقاتهم ومدارسهم وجامعاتهم وممتلكاتهم. وتتعرض المنطقة “ج ” أكثر من سواها لهذه الهجمة باعتبارها المستهدفة بما يسمى الاستيطان الرعوي الذي تمارسه مجموعات صغيرة من المستوطنين، تسيطر على مساحة ارض واسعة، ثم تتشرعن لاحقا كأداة تهجير قسري للسكان الفلسطينيين. وتتعرض المدن الرئيسية لضغوط مضاعفة، باعتبارها أسس بقاء للوجود الفلسطيني. وتشمل أيضا التجمعات البدوية والريفية وسكان السفوح الشرقية والغور، التي تستهدفها هجمات يومية ضمن هدف محدد قوامه العمل على تفكيك وترحيل هذه المجتمعات الهشة، ودفعها نحو مغادرة مواطنها تمهيدا لضمها.
قرية تل والعنف الممنهج
وما حدث مؤخرا عندما اقتحمت مجموعة من المستوطنين قرية تل في الضفة الغربية، والذي رافقته مواجهة أدت إلى استشهاد اربعة فلسطينيين ومقتل جنديين اسرائيليين بعد أن تمكن أحد الأهالي من انتزاع سلاح أحد المعتدين واطلاق النار، حد المواطنين من انتزاع سلاح مستوطن أهو مجرد غيض من فيض المواجهات التي تتبع خطا تصاعديا بعد توزيع 10 الآف قطعة سلاح على المستوطنين بقرار من وزير المالية سموتريتش، وأطلاقهم لممارسة الاعتداءات والقتل، بعد أن تجاوزت اعتداءاتهم حملات الترويع التي تطال المواطنين اينما كانوا. وحدث أن سارعت السلطات مباشرة بعد المواجهة إلى فرض عقوباتٍ جماعية، وتعزيز قوات الاحتلال بكتيبة إضافية مع عتادها، وتشديد الحصار والإغلاق، وإقامة مزيد من الحواجز، ومنع التجوال في مختلف أنحاء الضفة، وشرعنة وإقرار إقامة بؤر استيطانية جديدة. وتنفيذ حملات اعتقال واقتحامات واسعة، بالتوازي مع توفير الحماية للمستوطنين الذين يحرقون يوميا المنازل والمزارع والمركبات، وسط صيحات تطالب بتدمير قرية تل والقضاء على سكانها، على غرار ما جرى ويجري في قطاع غزّة منذ أكثر من 3 سنوات مع إبادة حوالي 75 ألف مواطن وأكثر من 170 ألف جريح ودمار القطاع بنسبة 80 % نقريبا بجميع مرافقه.
و ما يجري في الضفة ليس مجرد حوادث منفصلة تعود إلى نزق هذا المستوطن وتلك المجموعة، بل سياسة ممنهجة لها سياقها الواضح. ولعل مراجعة الارقام تكشف عن اعتداءات تشمل سائر المناطق المحتلة، وضمنها تلك التي يتعرض لها المسجد الاقصى في القدس، والتي يطالب المستوطنون بهدمه وبناء الهيكل على أنقاضه. وتشير المعطيات أنه ومنذ “7 أكتوبر” سقط أكثر من 1200 شهيد، وآلاف الجرحى. واعتُقل أكثر من 20 ألف فلسطيني. وأزال الاحتلال 118 تجمعاً سكّانياً، وهدم آلاف المنازل، وأغلق آبار المياه، ومنع حفر آبار بديلة لري الأراضي الزراعية بغرض دفع السكان إلى الرحيل. كما دمّر ثلاثة مخيّمات في جنين وطولكرم، ما أدّى إلى تهجير عشرات آلالوف، وجرى إتلاف 45 ألف شجرة، بينها 26 ألف شجرة زيتون، وسرقة 15 ألف رأس ماشية، وإحراق مئات المنازل والمركبات والمزارع ومصادر الرزق. وفي الوقت نفسه يعمل الاحتلال على التخلص من السلطة الفلسطينية وتحويل صلاحياتها إلى الإدارة المدنية التابعة لوزارة الحرب، واحتجاز أموال المقاصة التي باتت تزيد عن خمسة مليارات دولار، وتقطيع أوصال الضفة الغربية بما يتراوح بين 925 و 1200 حاجز وبوابة حديدية، محوّلة المدن والقرى والمخيمات إلى جزر معزولة وسجون كبيرة، بحيث لم يعد سوى نحو 10% من سكان الضفة يقيمون في المناطق المصنفةC ، رغم أنها تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة.
ورصد تقرير سنوي صادر عن جهاز العمل الخارجي الاوروبي نشره مكتب ممثل الاتحاد الأوروبي في الضفة الغربية وقطاع غزة ووكالة الأونروا تصاعدا قياسيا في الاستيطان الإسرائيلي في القدس والضفة الغربية. وسجل عنف المستوطنين خلال عام 2025، مقارنة بالأعوام السابقة.ويعرض التقرير تفاصيل عن المناقصات لتنفيذ المشاريع الاستيطانية، والتي تستهدف تقسيم الضفة الغربية وإضعاف فرص قيام دولة فلسطينية ذات بنية جغرافية متماسكة.
ويتحدث التقرير عن تقدم في مخططات البناء الاستيطاني والتي تتضمن 63 ألفا و311 وحدة استيطانية في الضفة الغربية والقدس المحتلة، منها 27 ألفا و941 وحدة في الضفة الغربية، و35 ألفا و370 وحدة ضمن 56 مخططا في القدس. موضحا أن هذه المخططات لم تُنفذ بالكامل “لكنها تمثل أعلى مستوى سنوي للتخطيط الاستيطاني المسجل”. أما حول عنف المستوطنين فالتقرير يؤكد من خلال رصده في غضون سنوات المنحى التصاعدي منذ العام 2023 وحتى اليوم. ووفق التقرير، فقد تم تهجير 118 تجمعا سكنيا أو رعويا فلسطينيا بين عامي 2023 و2025، نتيجة عنف المستوطنين، ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية والمراعي ومصادر المياه،. ويسجل التقرير سيطرة البؤر الزراعية والرعوية للمستوطنين على أكثر من مليون دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع)، أي نحو 18% من مساحة الضفة الغربية.
البؤر الرعوية والاستيطانية
وقد بدأت هذه الظاهرة الاستيطانية التي بلغ عددها عام 2025 ما مجموعه 289 بؤرة بالظهور منذ عام 1996. وقد ازداد عدد البؤر الاستيطانية تباعا، إذ شرعت إسرائيل بإقامة العديد منها في مناطق مختلفة في الضفة الغربية ولا سيما المناطق المصنفة B في انتهاك صارخ للاتفاقيات الموقعة، إذ صادرت آلاف الدونمات من شتى مناطق الضفة الغربية واقامت عليها بؤراً استيطانية، والتقت هذه البؤر مع مشاريع الاستيطان الرعوي الذي بدأ بالتغلغل بشكل واسع جداً في مناطق الضفة الغربية، إذ استولى المستوطنون على حوالي 78,600 هكتار (ما يعادل 786,000 دونم) من أراضي الضفة الغربية، أي نحو 14% من مساحتها، من خلال إقامة بؤر استيطانية رعوية وزراعية. و وصل عددها حتى شهر نيسان من العام 2025 الى حوالي 289 بؤرة بما في ذلك المزارع.. ورغم أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ما بين عامي 1996 و2025 ادعت بأنها لم تمنح تلك الظاهرة أي غطاء قانوني إلا أنها وفرت لها كل ما يلزم من دعم منذ عهد شارون الذي أصدر نداءً للمستوطنين الإسرائيليين في العام 1998، حين تولى وزارة الزراعة الإسرائيلية إبان حكم بنيامين نتنياهو، دعاهم فيه لاحتلال تلال الضفة الغربية حتى لا تخسرها إسرائيل لصالح الفلسطينيين خلال أي مفاوضات مستقبلية؛ الأمر الذي أدى إلى ارتفاع ملحوظ في عدد تلك البؤر في المناطق الفلسطينية.
تكشف البيانات الميدانية المحدثة عن بنية سيطرة متعددة الطبقات، تبدأ بالإنسان وتنتهي بالقانون. وحاليا يقطن الضفة الغربية اليوم، بما فيها القدس الشرقية، أكثر من 780 ألف مستوطن، يتوزعون على 192 مستوطنة رسمية وما يزيد على 350 بؤرة استيطانية. ويتبع هذا الانتشار إستراتيجية “نقاط الارتكاز” الهادفة إلى قطع التواصل بين المدن الفلسطينية الكبرى. أما على مستوى المساحة، فتسيطر إسرائيل فعليا على ما يقرب من 42% من مساحة الضفة عبر المستوطنات والمجالس الإقليمية التابعة لها.
وتعتمد إسرائيل منظومة من التسميات القانونية التي تبدو تقنية، لكنها تؤدي عمليا إلى مصادرة الأرض:
– أراضي الدولة: جرى تحويل نحو 15% من الضفة إلى “أراضي دولة”، تخصص حصريا للمستوطنين.
– المناطق العسكرية المغلقة: تغطي نحو 18% من المساحة، وتستخدم غالبا لتفريغ التجمعات البدوية قبل تحويلها لاحقا إلى كتل استيطانية.
– المحميات الطبيعية: استخدم هذا التصنيف لمصادرة مساحات واسعة، خاصة في الأغوار، عبر منع الفلسطينيين من الوصول إليها قبل إعادة توظيفها لخدمة التوسع الاستيطاني.
وتشكل المستوطنة محور مشروع (E-1) الهادف لربطها بالقدس عبر توسع استيطاني متصل، ما يؤدي فعليا إلى عزل القدس عن محيطها الفلسطيني، وفصل شمال الضفة عن جنوبها، وتقويض قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا.
وتشكل المناطق المصنفة (ج) وفق اتفاقية أوسلو نحو 61% من المساحة الكلية، وقد تحولت إلى مخزون إستراتيجي للاستيطان، إذ يحظر على الفلسطينيين البناء في 99% منها، مقابل تسهيلات واسعة للمستوطنين لإنشاء مزارع وشبكات طرق.
والذائع اليوم هو “الاستيطان الرعوي” كأخطر الأدوات، حيث يقيم عدد محدود من المستوطنين خيمة مع قطيع أغنام، وبحماية الجيش يسيطرون على آلاف الدونمات المحيطة. وقد أنشئت أكثر من 165 بؤرة من هذا النوع منذ 2023، منها 89 بؤرة في عام 2025 وحده.
هذا التحول يعني عمليا أن الضفة لم تعد تعامل كأرض محتلة مؤقتا تخضع لقوانين الحرب، بل كجزء يدار عبر بيروقراطية مدنية، ما يسهّل عمليات المصادرة والبناء دون قيود أمنية معقدة.
و تشكل البؤر الاستعمارية حالياً أحد أهم مصادر التهديد والعنف الممارس ضد الفلسطينيين، ليس فقط عبر استخدام أفرادها العنف الجسدي وارتكاب الجرائم المباشرة، بل أيضاً من خلال تغيير وإعادة إنتاج الحيز المكاني، أو ما يُعرف في أدبيات علم الاجتماع بـ “المجال” أو “الفضاء” الاجتماعي الفلسطيني.
رغم ذلك فإن مصادر ضعف الموقف الفلسطيني لا تكمن في فاشية الاحتلال الاقتلاعي الطابع، بل في استمرار الفصائل الفلسطينية أسيرة الانقسام الفكري والسياسي والجغرافي والمؤسّسي المدمر، رغم أهوال ما يعيشه الشعب الفلسطيني من حرب الإبادة ومخطّطات تصفية قضيته، فبدلا من أن يتجاوز الفلسطينيون خلافاتهم، تترسخ مناخات التباعد بينهم، الأمر الذي يعمّق مشاعر الإحباط واليأس لدى الجمهور في قطاع غزة والضفة ودول الشتات، الذي يرى أن الوحدة الوطنية المطلوبة باتت صعبة، إن لم نقل مستحيلة المنال وسط تغوَّل الاحتلال وأدواته نظاميا وأهليا.



