خبر عاجلمحليات

أزمة السكن في لبنان:حين تترك الدولة المالك والمستأجر في مواجهة بعضهما البعض  

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

أزمة السكن في لبنان:حين تترك الدولة المالك والمستأجر في مواجهة بعضهما البعض

 

جمال حلواني

 

ليست أزمة الإيجارات في لبنان نزاعاً قديماً بين مالك يريد استعادة ملكه ومستأجر يريد الاحتفاظ بمسكنه. إنها، في جوهرها، أحد وجوه غياب السياسة الاجتماعية للدولة، التي تركت حق الملكية وحق السكن يتواجهان لعقود، ثم أحالت نتائج هذا الصراع على فئتين دفعتا، كل منهما بطريقتها، كلفة الأزمات والانهيار.

 

ولهذا، فإن البحث عن حل لا يبدأ بالانحياز إلى المستأجر ضد المالك، ولا بمصادرة حق الملكية باسم الحق في السكن، كما لا يبدأ بإطلاق يد الملكية والسوق على حساب الاستقرار الاجتماعي. يبدأ من الاعتراف بأن الملكية حق، وأن السكن حق أيضاً، وأن وظيفة الدولة هي إيجاد التوازن بينهما وتحمل مسؤوليتها الاجتماعية في تأمين شروط هذا التوازن.

 

الإيجارات القديمة: قانون بلا أدوات تنفيذ

 

تكشف قضية الإيجارات السكنية القديمة، المعقودة قبل تموز 1992، مقدار الخلل الذي يمكن أن ينتجه تشريع لا تتوافر له شروط التطبيق.

 

فالقانون الذي أُريد منه إنهاء عقود من التمديد الاستثنائي وتصحيح العلاقة بين المالك والمستأجر، ربط الانتقال إلى الوضع الجديد بآليات يفترض أن تحمي الفئات غير القادرة على تحمل الأعباء الجديدة. غير أن الصندوق الذي يفترض أن يقدم الدعم للمستأجرين المستحقين لم يُفعّل على النحو الذي يجعل أحكام القانون قابلة للتطبيق المتوازن، كما تعطلت الآليات واللجان المرتبطة به. وهكذا دخلت العلاقة بين المالك والمستأجر في متاهة من الدعاوى والاجتهادات القضائية المتعارضة.

 

لم يعد الأمر اليوم نظرياً. فقد انتهت في مطلع عام 2026 المهلة القانونية لفئة من المستأجرين، فيما تواجه فئة أخرى استحقاق عام 2029، في ظل غياب سياسة واضحة تجيب عن السؤال الأبسط: ماذا يحدث لعائلات لا تستطيع البقاء وفق شروط السوق ولا تملك مسكناً بديلاً؟ وخاصة كبار السن منهم.

 

لا شك في أن تحميل المالكين، وخصوصاً صغار المالكين وكبار السن ومن يعتمدون على بدل الإيجار مورداً للعيش، كلفة معالجة هذه المشكلة ليس حلاً أيضاً. فقد تحمل هؤلاء لعقود نتائج قوانين استثنائية جمّدت بدلات الإيجار، وليس من العدالة استبدال ظلم اجتماعي بظلم آخر.

 

المشكلة إذاً ليست في وجود حقين متناقضين يستحيل التوفيق بينهما، بل في دولة امتنعت عن تحمل الكلفة الاجتماعية للانتقال من نظام إيجارات استثنائي إلى نظام جديد. وهنا تقع المسؤولية على المجلس النيابي المطالب بتعديل العمل بالقانون وفق صيغة تضمن حقوق كبار السن في السكن وحمايتعم من التشريد.

 

الإيجارات الجديدة: حرية تعاقد بين طرفين غير متكافئين

 

لا تقتصر أزمة السكن على الإيجارات القديمة. فالعقود المعقودة منذ عام 1992 تقوم على مبدأ حرية التعاقد، تؤمّن للمستأجر مدة قانونية محصورة بثلاث سنوات، ولا تؤسس لاستقرار سكني طويل الأمد. وبعد انقضاء المدة التي يحميها القانون يصبح استمرار العلاقة خاضعاً إلى حد بعيد لإرادة المتعاقدين وشروط السوق.

 

وهنا تظهر مشكلة أعمق: هل تكفي “حرية التعاقد” لتنظيم حق أساسي كالسكن؟ فالحرية القانونية لا تعني دائماً تكافؤاً فعلياً بين الطرفين. المستأجر الذي يحتاج إلى بيت لعائلته، في سوق تتراجع فيه قدرته الشرائية وترتفع فيه بدلات الإيجار، لا يفاوض دائماً من موقع مساوٍ للمالك. وحين تغيب البدائل السكنية، والإسكان العام، والقروض الميسرة، وسياسات ضبط المضاربات، تتحول حرية التعاقد إلى حرية الطرف الأقوى في فرض شروطه.

 

وهذا لا يستدعي العودة إلى التمديد الاستثنائي القديم، بل الانتقال إلى تشريع حديث للإيجارات يوفر قدراً معقولاً من الاستقرار حدها الأدنى خمس سنوات، وتحدد حقوق الطرفين وواجباتهما، وربط الزيادات بمؤشر غلاء المهيشة، من دون إلغاء حق المالك في ملكه أو حقه في عائد عادل منها.

 

الحرب والنزوح: وجه جديد للأزمة

 

وقد اكتسبت قضية السكن بعداً أكثر خطورة مع الحرب الإسرائيلية وما خلفته من تدمير واسع في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، ومن نزوح وتهجير وفقدان آلاف العائلات مساكنها أو قدرتها على العودة إليها.

 

وهنا لا يمكن فصل حقوق المستأجرين النازحين عن حقوق أصحاب البيوت المدمرة، ولا فصل الاثنين عن قضية إعادة الإعمار.

 

فإعادة الإعمار ليست قضية أبنية وحجارة وتعويضات عقارية فقط. إنها قضية حق في العودة والسكن واستعادة الحياة الاجتماعية. ومن كان مستأجراً قبل التهجير لا ينبغي أن يصبح بلا حق لأنه لا يحمل سند ملكية، كما أن حماية المستأجر لا يجوز أن تتم على حساب صاحب المنزل المتضرر.

 

وهنا أيضاً لا يستطيع الطرفان حل المشكلة بينهما. الدولة هي التي يفترض أن تضع إطاراً للتعويض وإعادة الإعمار يحفظ حقوق المالكين والمستأجرين معاً ويمنع أن يتحول التهجير المؤقت إلى اقتلاع اجتماعي دائم.

 

من أزمة الإيجارات إلى قضية السكن

 

تكمن المشكلة الأعمق في أن لبنان تعامل طويلاً مع السكن بوصفه شأناً عقارياً لا قضية اجتماعية.

 

تُرك بناء المساكن وأسعارها وإيجاراتها بصورة شبه كاملة للسوق، فيما تراجعت كثيراً سياسات الإسكان العام، وضعفت قدرة ذوي الدخل المحدود والشباب على التملك، وأدى الانهيار المالي إلى القضاء على إمكانات الاقتراض السكني التي كانت متاحة لشرائح من الطبقة الوسطى.

 

لذلك فإن معالجة أزمة الإيجارات وحدها، على ضرورتها، لن تحل أزمة السكن.

 

المطلوب الانتقال تدريجياً إلى سياسة وطنية للسكن: تعيد تفعيل أدوات الدعم العام للفئات المستحقة، وتحمي الاستقرار السكني، وتطور الإيجار الطويل الأمد وفق صيغة الايجار التملكي بضمانات متبادلة، وتشجع السكن الميسر، وتستعيد دور البلديات والمؤسسات العامة، وتربط إعادة الإعمار بحق السكان في العودة، وتضع سياسة ضريبية وعقارية تحد من تحويل الأرض والسكن إلى مجرد مجال للمضاربة.

 

حين تتراجع الحركة الاجتماعية

 

كانت حركة المستأجرين تاريخياً واحدة من الحركات الاجتماعية والمطلبية الفاعلة في لبنان. أما اليوم، فقد أصابها ما أصاب الحركة النقابية والاجتماعية عموماً من ضعف وتفكك، يضاف إليهما عامل خاص يتمثل في تقدم نسبة كبيرة من المستأجرين القدامى في السن، هذا عدا القلق واليأس وعدم القدرة على المشاركة في التحركات والاعتصامات.

 

ولهذا تكتسب الجهود التي بذلتها اللجنة الأهلية للمستأجرين وستوديو أشغال عامة بالتعاون مع النائب حليمة قعقور عبر تقديم مشروع قانون، أهمية تتجاوز الدفاع عن فئة محددة، فهي التي تبقي قضية اجتماعية كبرى حاضرة أمام الدولة والمجلس النيابي والرأي العام.

 

لكن المطلوب يتجاوز الدفاع عن قانون أو تعديل مادة فيه. المطلوب إعادة تكوين حركة اجتماعية حول الحق في السكن تستطيع أن تجمع المستأجر القديم والجديد، والشباب الباحثين عن مسكن، والمتضررين من الحرب، وأصحاب الدخل المحدود، وصغار المالكين المتضررين، والنقابات والهيئات المهنية والبلديات والقوى الاجتماعية والسياسية المعنية ببناء دولة الرعاية والحقوق.

 

حق الملكية وحق السكن

 

ليس المطلوب مصادرة الملكية الخاصة، ولا تحميل المالك الفرد مسؤولية حل أزمة اجتماعية أنتجتها سياسات الدولة وهي التي تتحمّل المسؤولية عن معالجتها. فلا يجوز التعامل مع المسكن باعتباره سلعة كسائر السلع تخضع حصراً لقدرة الفرد على الدفع ولتقلبات السوق.

 

للملكية وظيفة اجتماعية إلى جانب بعدها الفردي، وحق السكن لا يصبح فعلياً بمجرد الاعتراف النظري به. والتوفيق بينهما هو بالضبط إحدى الوظائف الاجتماعية للدولة.

 

وهنا تتجاوز القضية المستأجرين والمالكين. إنها تكشف سؤالاً أكبر: أي دولة نريد؟ دولة تكتفي بوضع قواعد التعاقد ثم تترك الأفراد يواجهون اختلالات السوق كل بمفرده، أم دولة تعتبر الاستقرار السكني والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية جزءاً من شروط المواطنة؟

 

ومن هنا أيضاً يمكن لمكونات الحركة الديمقراطية أن تستعيد معنى موقعها الاجتماعي. وليس التحدث باسم الناس من خارج قضاياهم، بل بالدخول إلى هذه القضايا، والاسهام مع أصحابها في تحويلها من معاناة فردية متفرقة إلى مطالب عامة وبرامج وسياسات وحركة ضغط اجتماعي.

 

فقضية السكن نموذج واضح لما يعنيه أن يعاد بناء الموقع الاجتماعي للحركة النقابية والديمقراطية: الموقع الذي يبدأ من حياة الناس، ويربط الحق اليومي بالإصلاح السياسي والاقتصادي، ويدافع عن الفئات الأضعف من دون أن يبني حقوق فئة على ظلم فئة أخرى.

 

ليس المطلوب أن تنتصر فئة من اللبنانيين على فئة أخرى في معركة الإيجارات. المطلوب أن تتحمل الدولة مسؤوليتها، وأن ينتقل لبنان من إدارة النزاع بين المالك والمستأجر إلى بناء سياسة تضمن حق الملكية وحق السكن معاً.

 

* عضو اللجنة الأهلية للمستأجري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى