
خاص مناشير
في وقت يقترب فيه البقاع من أزمة نفايات جديدة، حضرت وزيرة البيئة الدكتورة تمارا الزين إلى معمل فرز النفايات الصلبة في جب جنين، في زيارة ميدانية للاطلاع على واقع المعمل والتحديات التي تواجهه، ولا سيما بعد الحرائق التي شهدها أخيراً. لكن ما كان ينتظره البقاعيون من الوزيرة لم يكن جولة تفقدية ولا تسليم ثلاث آليات جديدة، بل خطة واضحة وعاجلة تمنع انفجار أزمة النفايات في الأشهر المقبلة.
فالآليات قد تساعد المعمل على العمل، لكن السؤال الذي لم يجد جواباً واضحاً هو: أين ستذهب النفايات والعوادم عندما يصل المعمل إلى حدود قدرته الاستيعابية؟
المشكلة ليست في عدد الآليات وحدها، ولا في قدرة خطوط الفرز على العمل، بل في الحلقة الأخيرة والأخطر: العوادم والمطمر الصحي ومصير آلاف الأطنان التي تنتجها المنطقة يومياً. وبينما تؤكد المعطيات أن المركز قادر، عند توافر الظروف التشغيلية المناسبة، على معالجة نحو 150 طناً يومياً، فإن استمرار العمل يبقى مرتبطاً بتأمين مطمر صحي قادر على استيعاب العوادم، وتأمين المواد والآليات اللازمة للصيانة والتشغيل.
وهنا تحديداً كان ينتظر البقاعيون من وزيرة البيئة جواباً واضحاً: ما هي خطة الوزارة قبل وقوع الأزمة، وليس بعد امتلاء المعمل وتراكم النفايات في الطرقات والمكبات؟
لا ترموا الكرة في ملعب البلديات
الوزيرة شددت خلال اجتماعها مع رؤساء البلديات على ضرورة بدء الجباية، وتحديد التعرفة وفق الأوضاع الاجتماعية، معتبرة أن انتظام الجباية يشكل أساساً لاستدامة إدارة النفايات.
لكن البقاعيين يسألون: هل تستطيع البلديات وحدها حل أزمة تتجاوز إمكاناتها المالية والتقنية؟
من السهل مطالبة البلديات بالجباية وجمع النفايات ونقلها، لكن ماذا عن المطامر؟ وماذا عن العوادم؟ وماذا عن التمويل؟ وماذا عن الرقابة البيئية؟ وماذا عن الحل النهائي الذي يمنع تحويل البقاع إلى مكب كبير؟
كان المطلوب من وزارة البيئة أن تتحمل مسؤوليتها، لا أن تُرمى الكرة في ملعب البلديات والأهالي.
فالبلديات ليست وزارة بيئة، والأهالي ليسوا مسؤولين عن إيجاد المطامر، ولا يمكن مطالبتهم بدفع المزيد من الأموال فيما لا يوجد حل واضح للحلقة الأخيرة من دورة النفايات.
150 طناً يومياً… ولكن إلى أين؟
رئيس اتحاد بلديات البحيرة إسكندر بركة أكد أن مركز جب جنين بات قادراً، عند توافر الظروف التشغيلية المناسبة، على استقبال ومعالجة نحو 150 طناً من النفايات يومياً.
لكن القدرة على الفرز ليست نهاية المشكلة.
المشكلة تبدأ عندما تنتهي عملية الفرز.
فالعوادم تحتاج إلى مكان، والمكان يحتاج إلى مطمر صحي، والمطمر يحتاج إلى إدارة وتمويل ورقابة واستدامة.
وإذا لم تتوافر هذه الحلقة، فإن الحديث عن تطوير المعمل يصبح أقرب إلى تأجيل الأزمة لا حلها.
روائح وسوائل وحرائق… ومخاوف الأهالي
الزيارة تأتي أيضاً في ظل شكاوى من أبناء البلدات المحيطة بالمعمل من الروائح والسوائل الناتجة عن النفايات، إضافة إلى تداعيات الحرائق التي شهدها الموقع.
وهذه ليست تفاصيل هامشية.
إنها مؤشرات على أن إدارة النفايات في المنطقة تحتاج إلى معالجة جذرية، لا إلى إجراءات تجميلية أو زيارات موسمية.
فالمطلوب حماية صحة الناس والبيئة، وليس فقط إبقاء المعمل مفتوحاً بأي ثمن.
خطة عشرين عاماً… والبقاع يريد حلاً للأشهر المقبلة
تحدثت الوزيرة عن رؤية مستدامة لتنظيم المطامر ومعامل الفرز على مستوى لبنان، وعن خطة تمتد لنحو عشرين عاماً.
لكن البقاعيين يريدون أن يعرفوا شيئاً أبسط وأكثر إلحاحاً:
ماذا سيحدث خلال الأشهر المقبلة؟
ماذا لو لم يعد المعمل قادراً على استيعاب الكميات الواردة؟
أين ستُنقل النفايات؟
أين سيصار إلى طمر العوادم؟
ومن سيتحمل الكلفة؟
ومن سيمنع عودة المكبات العشوائية؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى خطة لعشرين عاماً، بل إلى قرار واضح اليوم.
المطلوب ليس جولة… بل قرار
لا شك أن تسليم الآليات الجديدة خطوة إيجابية، ولا شك أن تطوير المعمل أمر مطلوب، لكن ذلك لا يكفي.
البقاع لا يحتمل تجربة جديدة من الخطط التي تبدأ بالوعود وتنتهي بتراكم النفايات.
ولا يحتمل أن تصبح البلديات في مواجهة الأهالي، وأن يصبح المواطن الحلقة الأضعف في منظومة لا يملك قرارها ولا إمكاناتها.
وزيرة البيئة مطالبة اليوم بأن تقدم للبقاعيين خطة إنقاذ واضحة ومواعيد محددة وحلولاً قابلة للتنفيذ، لا أن تكتفي بالحديث عن الجباية والقوانين وخطة تمتد لعشرين عاماً.
فالأزمة المقبلة ليست مفاجأة، ومؤشرات الخطر معروفة، وقدرة المعمل محدودة، ومشكلة العوادم قائمة.
وإذا كانت الوزارة تعرف ذلك، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً:
لماذا الانتظار حتى تتكدس النفايات في الشوارع قبل التحرك؟
البقاع لا يريد أن يدفع ثمن فشل الدولة في إدارة ملف النفايات.
ولا يريد أن يتحول المواطن إلى ممول وحيد لمنظومة لا تقدم له حلاً.
ولا يريد أن تُرمى المسؤولية على البلديات فيما القرار النهائي بيد الدولة.
المطلوب حل قبل الأزمة، لا جولة بعد الأزمة.
فإذا كانت وزارة البيئة جادة في حماية البقاع، فعليها أن تجيب اليوم عن السؤال الذي لا يمكن تأجيله:
أين سيكون مطمر البقاع عندما يمتلئ مطمر جب جنين؟
وإلا فإن أزمة النفايات المقبلة لن تكون أزمة بلديات، بل فضيحة دولة كاملة.
زر الذهاب إلى الأعلى