سياسةمقالات

هل تنجح مساعي أمريكا لوقف الحرب بين أوكرانيا وروسيا؟

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

هل تنجح مساعي أمريكا لوقف الحرب بين أوكرانيا وروسيا؟

د. خالد العزي – مناشير
تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى وضع حد للحرب المستمرة بين أوكرانيا وروسيا عبر خطة حل أُعلن عنها مؤخرًا، لكن تبقى الأسئلة العميقة حول مدى نجاح هذه المساعي. هل ستكون الخطة الأمريكية قادرة على إنهاء النزاع؟ وما مدى واقعية البنود التي تحتويها، وهل ستكون هناك استجابة إيجابية من الأطراف المعنية؟ هذه الأسئلة تثير الكثير من الجدل، خصوصًا في ظل تعقيدات الصراع المستمر بين أوكرانيا وروسيا والمصالح الجيوسياسية المتشابكة.
الخطة الأمريكية: هل هي حل أم استسلام؟
منذ إعلان الخطة الأمريكية، بدأ الطرف الأوكراني يعبر عن قلقه الشديد، معتبراً أن المبادرة قد تكون أكثر فائدة لروسيا مما هي لأوكرانيا. يرى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وبعض مساعديه أن الخطة تتضمن بنودًا من شأنها أن تُجبر أوكرانيا على التنازل عن أراضٍ مهمة، مثل القرم ودونباس، التي كانت تحت سيطرتها. بالنسبة لكييف، هذه البنود تعني تنازلاً جوهريًا قد يؤدي إلى خسارة الأراضي الاستراتيجية وتعزيز النفوذ الروسي على حساب السيادة الأوكرانية. ومن هنا، يرى العديد من الأوكرانيين أن الضغط الأمريكي قد يكون في خدمة روسيا، على الأقل في هذا السياق.
على الرغم من هذه المخاوف، تتعامل أوروبا مع الخطة الأمريكية بمرونة أكبر. بعض الدول الأوروبية ترى ضرورة عدم الاصطدام بالموقف الأمريكي، رغم أن حساباتها الجيوسياسية قد تدفعها لتعديل الخطة بما يتناسب مع مصالحها. في هذا الصدد، يسعى الأوروبيون لتحقيق تسوية لا تضر بمصالحهم، ويبدو أن هناك رغبة متزايدة في تجنب سياسة تفضّل روسيا على حساب أوكرانيا.
الحسابات الأمريكية: تقديم التنازلات لمصلحة الاستراتيجية الكبرى
من المعروف أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، معروف بخبرته في إبرام الصفقات، وهو يسعى لتحقيق مكاسب سياسية لا تكلف بلاده الكثير. في هذا السياق، قد تكون الخطة الأمريكية لحل النزاع الروسي الأوكراني جزءًا من صفقة سياسية أوسع، تستهدف ضمان مصالح الولايات المتحدة في مواجهة روسيا والصين. يرى البعض أن تقديم التنازلات على حساب أوكرانيا قد يكون هدفًا ضمن هذا الصراع الجيوسياسي الكبير، الذي يهدف إلى تقليل الوجود الروسي في المنطقة لصالح أهداف أمريكية، مثل التصدي لتزايد النفوذ الصيني.
إذن، الولايات المتحدة قد تكون مستعدة لتقديم تنازلات بخصوص أوكرانيا من أجل تحقيق توازن قوى أوسع على الساحة الدولية، وهي تعتبر أن هذه التنازلات قد تمنع تحالفًا استراتيجيًا بين روسيا والصين، وهو ما قد يغير قواعد اللعبة الجيوسياسية العالمية.
الموقف الأوروبي: بين القبول والرفض
تتخذ الدول الأوروبية موقفًا حذرًا من الخطة الأمريكية. بعض الدول الأوروبية تظهر استعدادًا لدعم الخطوات الأمريكية، لكن معظمها ما يزال مترددًا في الموافقة النهائية. فالاتحاد الأوروبي، الذي يدعم أوكرانيا بشكل غير مشروط، يحرص على ألا يُترك البلد فريسة سهلة في يد روسيا. في الوقت ذاته، يسعى الأوروبيون إلى ضمان أن أي خطة للسلام لا تكون على حساب الأمن الأوروبي أو تعزز استراتيجية روسيا في المنطقة.
من وجهة نظر العديد من القادة الأوروبيين، أي حل يتضمن تقسيم القارة الأوروبية بين الولايات المتحدة وروسيا، خاصة على حساب أوكرانيا، قد يؤدي إلى تقويض الاستقرار السياسي في أوروبا. لهذا، يرفض الاتحاد الأوروبي فرض أي خطة للسلام دون أن يكون لأوكرانيا دور رئيسي في صياغتها، وذلك لضمان أن أمنها ومستقبلها لا يتم المساومة عليه.
التمسك بحق أوكرانيا في صياغة خطة السلام
في الوقت الذي دخلت فيه الخطة الأمريكية مرحلة النقاش في قمة جنيف، بدا واضحًا أن الموقف الأوروبي يتمسك بحق أوكرانيا في أن تكون شريكًا فاعلًا في أي خطة للسلام. أوروبا تعتبر أوكرانيا حليفًا استراتيجيًا، وبالتالي ترفض فرض أي حلول عليها دون مشاركتها في التفاصيل. كما أن الدول الأوروبية تدرك أن تراجعها أمام روسيا في هذا الملف قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على الأمن الأوروبي على المدى الطويل.
من هنا، فإن أوروبا ترفض بشكل قاطع أي مقترح يحاول تقليص الدور الأوكراني في صياغة أي اتفاق للسلام. وترى أن أوكرانيا يجب أن تكون صاحبة القرار النهائي بشأن مصير أراضيها ومستقبلها، وأن أي حل ينبغي أن يكون متوازنًا ويأخذ في الحسبان مصالحها الوطنية.
الاستجابة الروسية: هل تقبل موسكو التعديلات؟
الموقف الروسي من الخطة الأمريكية يبقى الأكثر تعقيدًا. على الرغم من أن موسكو قد توافق على بعض التعديلات الشكلية في الخطة، إلا أنها لن تقبل بأي تغييرات تمس مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. روسيا تسعى لضمان هيمنتها على المناطق التي استولت عليها في أوكرانيا، وبالتالي، أي تعديلات قد تعني تقليص نفوذها في هذه المناطق ستكون مرفوضة. ستكون محادثات جنيف المرتقبة هي المحك الأساسي لتحديد مدى استعداد موسكو لقبول التعديلات الأمريكية، خاصة إذا كانت هذه التعديلات لا تتماشى مع مصالحها الأمنية والجيوسياسية.
الاستجابة الأوكرانية: هل ستكون هناك تسوية؟
أما بالنسبة لأوكرانيا، فهي تدرك جيدًا أن موقفها من الخطة الأمريكية يعتمد بشكل كبير على التنسيق مع الدول الأوروبية. الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن أنه سيلتقي مع الرئيس الأمريكي ترامب قريبًا لمناقشة الخطة، لكن موقفه سيظل مشروطًا بالموافقة الأوروبية. من جانبها، نصحت المسؤولة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي أوكرانيا بالتحلي بالصبر وعدم قبول أي اقتراحات أمريكية بشكل سريع، بل مناقشتها بعناية.
وفي قمة جنيف بتاريخ 24 تشرين الثاني 2025، أشار الوفد الأوكراني إلى أن الخطة الأمريكية التي طُرحت سابقًا لم تكن تتوافق مع مصالحهم، وأن العديد من النقاط تم تعديلها لصالح أوكرانيا. وأكد الوفد الأمريكي أن هذه الخطة لم تكن نهائية، وأنها قابلة للنقاش قبل تقديمها للطرفين. تعديلات الوفد الأوكراني شكلت خطوة مهمة نحو تحسين الخطة بما يحقق مصالح أوكرانيا ويحافظ على سيادتها.
في النهاية، لا يزال الجدل قائمًا حول نجاح المساعي الأمريكية لوقف الحرب بين أوكرانيا وروسيا. بينما يرى البعض أن الخطة الأمريكية قد توفر تسوية مؤقتة، فإن نجاحها يعتمد على موافقة الأطراف المعنية – روسيا وأوكرانيا وأوروبا – على النقاط الرئيسية. لا تزال الأهداف الجيوسياسية لكل طرف تؤثر على الاستجابة للخطة، ومن الممكن أن تكون التسوية قيد التحضير وفقًا للمفاوضات في جنيف. وفي حال كانت الأطراف غير قادرة على التوصل إلى اتفاق مرضٍ، قد تستمر الأزمة وتزداد تعقيدًا، مما يجعل الطريق أمام السلام طويلًا وغير مضمون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى