من قلعة الاستقلال في راشيا.. تيمور جنبلاط يخلّد شهداء الثورة السورية الكبرى: المختارة وفية لدورها الوطني والعربي مهما حاولوا تزوير التاريخ

مناشير
احتضنت قلعة الاستقلال في راشيا احتفالاً وطنياً حاشداً لتخليد شهداء منطقة راشيا ووادي التيم الذين سقطوا خلال الثورة السورية الكبرى عام 1925، وذلك برعاية وحضور رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب تيمور جنبلاط، وبمشاركة عضو كتلة اللقاء الديمقراطي النائب وائل أبو فاعور، بدعوة من بلدية راشيا الوادي برئاسة رشراش ناجي وأعضاء المجلس البلدي، وبحضور حشد واسع من الفعاليات السياسية والبلدية والتربوية والدينية والاجتماعية والأهلية.

وتزامن الاحتفال مع افتتاح جناح راشيا في متحف الاستقلال داخل القلعة، في خطوة هدفت إلى توثيق صفحة أساسية من تاريخ المنطقة ونضال أبنائها ضد الانتداب الفرنسي، وإبقاء أسماء الشهداء وسيرهم حاضرة ضمن الذاكرة الوطنية اللبنانية.
وفي كلمته، اعتبر جنبلاط أن قلعة الاستقلال «رمز للحرية والكرامة»، وشاهدة على رجال آمنوا بأن الأوطان تُبنى بالتضحية، مؤكداً أن افتتاح متحف مناضلي الثورة السورية الكبرى يشكل رسالة وفاء لذاكرة لا يجوز أن تُنسى، ولأجيال يجب أن تعرف أن الحرية كانت دائماً ثمرة نضال وتضحيات.
ووجّه تحية إلى راشيا وحاصبيا ووادي التيم وأهاليها، معتبراً أنهم كانوا دائماً عنواناً للثبات والاعتدال والتمسك بالأرض والدولة.
وشدد جنبلاط على أن مستقبل أبناء المنطقة يمثل أولوية، لافتاً إلى أهمية الاستثمار في التربية والتعليم، ومشيراً إلى مجمع كمال جنبلاط التربوي الذي أصبح، بحسب قوله، مقصداً للعلم من مختلف المناطق.
كما أشار إلى افتتاح مركز لتدريب الأساتذة والطلاب على تقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن الهدف هو تمكين الشباب من صناعة مستقبلهم بالعلم والمعرفة، وأن تبقى المنطقة «مساحة للفرص لا للهجرة».
وفي البعد الوطني، دعا جنبلاط أبناء راشيا والبقاع الغربي والبقاع إلى الحفاظ على العيش الواحد، وعدم السماح للخلاف السياسي أو اختلاف الرأي بأن يمس وحدة المنطقة، مؤكداً أن قوتها كانت وستبقى في وحدتها.
وفي رسالة مباشرة إلى رجال الدين، قال إن الأسلاف «صنعوا البطولات، وصانوا الهوية، وحفظوا الوجود»، معتبراً أن أبناء المنطقة اليوم هم الأمناء على التاريخ والهوية.
وختم جنبلاط بالتأكيد أن «المختارة ستبقى وفية لدورها الوطني والعربي، متمسكة بالحقيقة، مهما حاول البعض تزوير التاريخ أو الادعاء بصناعته»، داعياً إلى إبقاء راشيا «قلعة للحرية» والبقاع «عنواناً للوحدة والانتماء».
أبو فاعور: الأمم الراشدة تحفظ تاريخها
من جهته، شدد النائب وائل أبو فاعور على أهمية افتتاح المتحف بوصفه مساحة لحفظ «الإرث الوطني الجامع والمخزون الروحي المشترك» الذي تختزنه المنطقة، من جبل حرمون ووادي التيم إلى راشيا وقرى البقاع.
وأشار إلى أن المتحف يهدف أيضاً إلى تخليد شهداء ثورة عام 1925 بقيادة سلطان باشا الأطرش ضد الاحتلال الفرنسي، مستعرضاً أسماء عشرات الشهداء من أبناء راشيا ووادي التيم وحاصبيا وقرى المنطقة.
وتوقف أبو فاعور عند المفارقة المتمثلة في إحياء فرنسا سنوياً ذكرى جنودها الذين سقطوا في معركة قلعة راشيا، فيما تأخر اللبنانيون في تكريم شهدائهم وتخليد ذكراهم.
وقال إن «الأمم الراقية والراشدة تعمل لمستقبلها، لكن ذلك لا يثنيها عن حفظ واحترام تاريخها»، معتبراً أن افتتاح الجناح يشكل استدراكاً لهذه «الهفوة التاريخية».
وخصّ أبو فاعور بلدة العقبة بتحية، واصفاً إياها بـ«أم الشهداء»، ومشيراً إلى أنها قدمت العدد الأكبر من الشهداء في سبيل الحرية والكرامة، كما حيّا شهداء راشيا وحاصبيا وحلوة وعيحا ومجدل بلهيص وضهر حمر وعين عطا وينطا وبكيفا وكفرقوق وتنورة ودير العشائر، وأبناء البيرة والرفيد الذين احتضنوا الثوار.
وفي سياق حديثه عن الاعتداءات الإسرائيلية، قال أبو فاعور: «قد يحتلون البلاد، لكنهم لا يحتلون الذاكرة»، مؤكداً أن محاولات تغيير معالم الأرض، من جبل الشيخ إلى جبل عامل، لن تتمكن من تغيير ذاكرة المنطقة وهويتها.
ووجّه الشكر إلى مؤسسة الوليد للإنسانية، ممثلة بالوزيرة السابقة ليلى الصلح حمادة، على ما وصفه بالجهود التي بذلتها للحفاظ على تاريخ قلعة الاستقلال وإنجاز متحف الاستقلال وجناح راشيا.
كما شكر الباحثين الذين ساهموا في جمع الوثائق التاريخية، ومن بينهم الدكتور عبد السلام ماريني، والدكتور كليب كليب، والدكتور منير مهنا، وفراس كليب وشوقي دلال.
وفي رسالة سياسية واضحة، قال أبو فاعور مخاطباً جنبلاط إن «أسوار المختارة عالية علو السحاب، وجدرانها حصينة ومنيعة»، معتبراً أن المختارة «عصية على كل متطاول، وكل متسلق، وكل طارئ أو عابر».
ناجي: الثورة ليست حدثاً عابراً
بدوره، أكد رئيس بلدية راشيا رشراش ناجي أن الحديث عن الثورة السورية الكبرى ليس استحضاراً لحدث عابر في صفحات التاريخ، بل استعادة لمسيرة من الكرامة والإباء بدأت برجال آمنوا بأن الحرية حق لا يُساوم عليه.
وأشار إلى أن صوت سلطان باشا الأطرش الذي دوّى من جبل العرب جسّد إرادة الشعوب الرافضة للاستعمار والذل، قبل أن تمتد هذه المسيرة، بحسب قوله، إلى نضالات كمال جنبلاط ضد الجهل والظلم والطائفية والتخلف، ومن أجل العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية.
ولفت إلى أن راشيا كانت رافداً أساسياً للثورة، فلبّت نداءها وقدمت الشهداء والتضحيات، مشيراً إلى أن بلدة العقبة كانت «خزان الرجال»، ومن أبنائها الشهيد سعد كليب الذي كان جسراً إلى الحرية.
واعتبر ناجي أن افتتاح جناح راشيا في متحف الاستقلال يشكل محطة لاستعادة تاريخ المنطقة النضالي، موجهاً تحية إلى أبو فاعور على اهتمامه بالمنطقة، ومؤكداً أن تخليد تاريخها النضالي حق لأبنائها.
أحفاد الثوار: الوفاء للشهداء يكون ببناء وطن يليق بتضحياتهم
وكانت كلمة أحفاد الثوار والشهداء قد ألقاها عضو مجلس بلدية العقبة وحفيد الثائر سعد كليب، المهندس رزق فاعور، الذي اعتبر أن افتتاح الجناح لا يقتصر على تخليد ذكرى الشهداء، بل يستحضر مسيرة نضالية حملت رسائل الحرية والكرامة ووحدة الأرض والإنسان.
وأشار إلى أن بلدة العقبة قدمت نحو 90 شهيداً دفاعاً عن الأرض والكرامة، فيما أقدم الاحتلال الفرنسي على إحراق البلدة بصورة شبه كاملة، في محاولة لكسر إرادة أهلها، قبل أن تتحول إلى رمز للصمود واحتضان الثوار.
وقال إن اسم العقبة يختصر تاريخها، إذ كانت «عقبة في وجه الاحتلال»، مؤكداً أن البطولة تحولت عبر الأجيال إلى مدرسة في التضحية والوفاء.
وشدد على أن الوفاء الحقيقي للشهداء لا يكون بإحياء ذكراهم فقط، بل «ببناء وطن يليق بتضحياتهم»، وترسيخ قيم الانتماء والنزاهة وبناء المؤسسات والحفاظ على الوحدة الوطنية بعيداً عن العصبيات والانقسامات.
ووجّه تحية إلى الحزب التقدمي الاشتراكي، معتبراً أنه حافظ، منذ عهد كمال جنبلاط مروراً بوليد جنبلاط وصولاً إلى تيمور جنبلاط، على إحياء هذه الذاكرة الوطنية وصونها.
حضور سياسي وديني وبلدي واسع
وشهد الاحتفال حضوراً سياسياً ودينياً وبلدياً واسعاً، تقدمه نائب رئيس مجلس النواب الأسبق إيلي الفرزلي، والنائب قبلان قبلان، وممثلون عن عدد من النواب والفعاليات السياسية، إلى جانب النواب السابقين فيصل الداود وناصر نصر الله وأمين وهبي، وأمين السر العام في الحزب التقدمي الاشتراكي ظافر ناصر، ومستشار جنبلاط حسام حرب.
كما حضر قائمقام راشيا نبيل المصري وقائمقام البقاع الغربي وسام نسبيه، ومفتي زحلة والبقاع الشيخ الدكتور علي الغزاوي، وعدد من المطارنة والمفتين والمشايخ والآباء، إضافة إلى أعضاء المجلس المذهبي الدرزي ولفيف من رجال الدين.
وشارك كذلك عدد من رؤساء اتحادات البلديات ورؤساء البلديات والمخاتير والفعاليات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، إلى جانب ممثلين عن مختلف القوى السياسية في راشيا والبقاع الغربي وحاصبيا ومرجعيون.
وكان الاحتفال قد استُهل بكلمة ترحيبية للشيخ صالح القضماني، استحضر فيها رمزية الأرض والقلعة والشهداء، مشدداً على ما تختزنه راشيا من تاريخ للتلاحم الوطني والعيش المشترك بين أبناء المنطقة.
جولة في جناح راشيا
وبعد انتهاء الاحتفال، جال جنبلاط والحضور في قلعة الاستقلال، حيث افتُتح الجناح المخصص لتخليد شهداء راشيا ووادي التيم الذين شاركوا في الثورة السورية الكبرى.
واطّلع الحاضرون على محطات من تاريخ المنطقة وشهدائها ودور أبنائها في مواجهة الانتداب الفرنسي، في خطوة تهدف إلى تثبيت الذاكرة المحلية داخل الذاكرة الوطنية الجامعة.
وفي قلعة الاستقلال، حيث تتجاور حجارة المكان مع ذاكرة المعارك والشهداء، تحولت المناسبة من مجرد احتفال تكريمي إلى محاولة لإعادة وصل الحاضر بتاريخ منطقة دفعت ثمناً باهظاً في معركة الحرية، وتأكيد أن ذاكرة الشهداء تبقى جزءاً من هوية راشيا والبقاع ولبنان.



