لبنان بين ضغط التفاوض وتراكم التنازلات.. والمقاومة ترسم حدود السيادة

ميرنا دلول – مناشير
يشهد لبنان اليوم واحدة من أكثر لحظاته السياسية حساسية منذ عام 2000، إذ تُدفع الدولة دفعًا نحو مفاوضات ملتبسة مع إسرائيل، تحت إشراف أميركي مباشر، وبشروط لا تحمل من السيادة سوى اسمها. وفي خضم الضغوط، يظهر الداخل اللبناني منقسمًا بين من يتمسّك بمعادلة القوة والردع، وبين من يندفع نحو تنازلات متتالية لا تؤدي إلّا إلى فتح شهية إسرائيل للمزيد.
هذه اللحظة ليست عابرة؛ إنها نتيجة مسار طويل من محاولات واشنطن إعادة تشكيل الجبهة الجنوبية بما يخدم أمن إسرائيل أولًا، وبما يقيها انفجارًا جديدًا لا قدرة لها على احتماله في ظل أزمتها الداخلية العميقة.
منذ عام 1996 واتفاق نيسان، عاش لبنان على إيقاع محاولات متكررة لفرض قواعد اشتباك تُناسب إسرائيل، لكنّ المقاومة قلبت المعادلة عام 2000 بفرض الانسحاب بلا تفاوض، ثم رسّخت قدرة الردع عام 2006.
لاحقًا، في 2022، جاء اتفاق ترسيم الحدود البحرية الذي اعتبرته واشنطن لحظة “قابلة للتوظيف”، فحاولت تحويله إلى قاعدة جديدة لجرّ لبنان نحو مسار تفاوضي أوسع. يومها قيل إن الخطوة “تقنية”، لكنها فتحت الباب لسابقة:
لبنان يتنازل في ملف سيادي تحت ضغط الوقت والأزمة.
واليوم، يتكرر المشهد بوضوح أكبر وخطورة أكبر.
واليوم إشراك وفد مدني في آلية التفاوض غير المباشر خطوة وُصفت بـ السقطة القانونية والسياسية التي أعادت إلى الذاكرة أخطاء 5 آب وكل ما رافقها من ارتباك داخلي وتجاوز للأصول.
هذا الإجراء لا يضرب فقط منهجية التفاوض العسكري–الأمني المعتمدة منذ عقود، بل يفتح بابًا لشرخ داخلي، ويمنح إسرائيل فرصة ذهبية للالتفاف على الطابع الرسمي–الاستراتيجي للملف.
في المقابل الولايات المتحدة، التي تخشى حربًا إقليمية شاملة، تسعى إلى فرض “تهدئة مشروطة” تقوم على:
طرح المنطقة الاقتصادية الحرة في الجنوب كممر اقتصادي وظيفته ضبط الجبهة لا إنماء المنطقة.
دفع لبنان إلى خطوات متسارعة لا تخدم مصالحه بل تُريح إسرائيل.
الأخطر أنّ واشنطن تحاول تأطير القرار اللبناني من الداخل عبر الضغط على الدولة لتقديم تنازلات متتالية تحت عنوان “الحؤول دون الحرب”.
أما الدولة اللبنانية في ممارستها الأخيرة، تبدو وكأنها:
تتنازل تلو التنازل في الملفات الحدودية والسيادية.
تهوّل على اللبنانيين باندلاع حرب واسعة إذا لم تنخرط في المفاوضات بالشكل الذي تريده واشنطن.
تستخدم الخوف الشعبي لتبرير خطوات غير دستورية وغير منسقة وطنياً.
وهنا تكمن الخطورة:
إنّ تهويل الدولة بالحرب لا يحمي لبنان، بل يضعفه ويعطي إسرائيل فرصة لممارسة ابتزاز غير محدود.
وقد شهدنا موقف الرئيس نبيه بري صاحب التجربة الأطول في إدارة ملف الحدود، عبّر بوضوح عن موقف لا لبس فيه:
لا تفاوض تحت النار.
لا تفاوض في ظل قصف، ولا في ظل تهديدات، ولا في ظل اختلال ميزان القوى لمصلحة العدو.
هذا الموقف هو آخر ما تبقى من تماسك مؤسساتي في وجه مسارٍ يتفلّت من الضوابط الوطنية.
وجاء اليوم موقف حزب الله – عبر خطاب نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم ليحسم الاتجاهات:
لا تنازل عن السلاح، ولا بحث في قدرة الردع تحت أي ضغط.
لا علاقة لإسرائيل أو أميركا بالشأن الداخلي اللبناني، لا في تشكيل الحكومات، ولا في المشاكل الداخلية ، ولا في تحديد مستقبل المقاومة.
الدور الآن للدولة اللبنانية لتحرير ما تبقى من أراضٍ محتلة، لكن الدولة لا تقوم بدورها، بل تُظهر ضعفًا وتراجعًا يراكم الخسائر الوطنية.
رسالة المقاومة واضحة:
لا تفاوض على الأمن القومي، ولا على حدود القدرة، ولا على مستقبل الجنوب.
مع العلم انه خلال زيارة البابا –للبنان ووسط التوترات والانقسامات الداخلية، شكّل تعامل حزب الله مع الاستعدادات لزيارة البابا إلى لبنان مشهدًا لافتًا من الانضباط السياسي والاحترام الوطني.
كان أداء المقاومة في هذا الملف نموذجيًا، وأثبت قدرة الحزب على إدارة ملفات وطنية دقيقة بروح مسؤولة، بعيدًا عن أي صدام أو توظيف سياسي.
لبنان عند خطّ الانقسام بين الدولة والمقاومة
ما يجري اليوم يتجاوز مجرد تفاوض حدودي.
إنه اختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة اللبنانية على حماية سيادتها، ولقدرة المقاومة على منع تحويل التراجع الرسمي إلى سياسة ثابتة.
السؤال الحادّ الذي يفرض نفسه:
هل ما يُقدِم عليه بعض المسؤولين اليوم خطأ جديد؟
وهل يجرّ هذا النهج البلد إلى انقسام داخلي في لحظة لا يحتمل فيها لبنان أي شرخ إضافي؟
لبنان يقف اليوم بين خيارين:
إما دولة تعرف حدودها الوطنية،
وإما دولة تقود شعبها نحو الخوف والتنازلات… بينما المقاومة وحدها تحمل عبء الردع والحماية.



