لبنان بين إدارة الانهيار وأزمة السيادة الوطنية – زكـي طـه

زكـي طـه في يروت الحرية
يبدو المشهد اللبناني موزعاً بين مسارين منفصلين: جلسات تشريعية تتنازع فيها الكتل النيابية حول المال والمصارف والرواتب والحقوق الاجتماعية، وحرب إسرائيلية مفتوحة تترافق مع مفاوضات متعثرة حول الاحتلال والسلاح والسيادة. غير أن المسارين يلتقيان عند أزمة واحدة: أزمة الدولة اللبنانية ودورها وقدرتها على تمثيل المصلحة الوطنية.
إدارة الانهيار وتشريع الازمة
ففي الداخل، تستمر قوى السلطة في إدارة نتائج الانهيار بدلاً من معالجة أسبابه. وتتحول جلسات التشريع إلى ميادين لشد الحبال بين الكتل، تحكمها الحسابات الطائفية والفئوية أكثر مما تحكمها رؤية متكاملة للخروج من الأزمة. وتزداد خطورة الأمر حين تحيط بالمسار التشريعي إشكالات دستورية وقانونية تضع بعض ما ينتجه أمام احتمالات الطعن، فيما تتعلق القوانين المطروحة بقضايا تمس حياة اللبنانيين ومستقبلهم: إعادة هيكلة المصارف، حقوق المودعين، الأجور والتعويضات، السكن، وقبلها الامتحانات الرسمية وإدارة الجامعة اللبنانية وتفرغ الاساتذة وقوانين الحماية الاجتماعية مروراً بقوانين العقوبات وإلغاء عقوبة الاعدام، وإقرار قانوني العفو العام وتنظيم الاعلام .
وبعد سنوات من الانهيار، لا تزال الاسئلة الأساسية بلا جواب: من يتحمل الخسائر؟ ومن هو المسؤول؟ وهل المطلوب إعادة بناء اقتصاد ومؤسسات مالية أكثر عدالة، أم إعادة تأهيل النظام نفسه وتحميل المجتمع مرة أخرى كلفة إنقاذه؟
هذه هي إدارة الانهيار في معناها الفعلي: معالجة النتائج بصورة مجزأة، وتأجيل البحث في المسؤوليات، وإنتاج تسويات مؤقتة تسمح باستمرار النظام أكثر مما تسمح بإصلاحه.
الاحتلال والسلاح
ولا تختلف الصورة كثيراً عندما ننتقل إلى القضية الوطنية. فلبنان يواجه احتلالاً واعتداءات إسرائيلية متواصلة، فيما يتعثر مسار التفاوض تحت وطأة شروط إسرائيلية تحاول تحويل اختلال ميزان القوى العسكري إلى مكاسب سياسية وأمنية دائمة. وفي المقابل، يستمر حزب الله في التعامل مع سلاحه ودوره من داخل ارتباطهما بالموقع الإيراني ومسار المواجهة الإقليمية، في وقت تخوض فيه إيران نفسها مفاوضات عسيرة ومديدة في آن للحد من الخسائر، وهي ترزح تحت الضغط والحصار والصراع على شروط التسوية المقبلة.
وهكذا يجد لبنان نفسه مرة أخرى بين رهانين خارجيين: من يراهن على الولايات المتحدة كي تنتزع له حقوقه من إسرائيل، ومن يربط مصيره بالرهان الإيراني وبقاء سلاح حزب الله جزءاً من أوراقه الإقليمية.
وكلا الرهانين لا يصنعا سياسة وطنية. فالولايات المتحدة تدير الوساطة انطلاقاً من مصالحها وتحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل، وليست مكلفة الدفاع عن المصالح اللبنانية. وإيران، بدورها، تدير مفاوضاتها وصراعها انطلاقاً من مصالح دولتها وموقعها الإقليمي، ولا يمكن أن تكون المصلحة اللبنانية معيار خياراتها.
أما إسرائيل، فتسعى إلى إبقاء احتلالها واعتداءاتها أداة ضغط لفرض ترتيبات تتجاوز الانسحاب وترسيم الحدود، نحو التوسع من خلال نشر خرائط جديدة تمهد لإمكانية ضم الاراضي، وإعادة تعريف شروط الأمن والسيادة والعلاقة المستقبلية مع لبنان.
من هنا يصبح استمرار المعادلة القائمة بالغ الخطورة: إسرائيل تربط انسحابها بنزع السلاح وفق شروطها، وحزب الله يبرر استمرار سلاحه بالاحتلال والصراع الإقليمي. وبذلك يتحول الاحتلال والسلاح إلى ذريعة متبادلة لاستمرار كليهما، فيما يبقى لبنان ساحة والدولة عاجزة والمجتمع يدفع الثمن.
ليس المخرج بانتصار أحد طرفي هذه المعادلة، بل بكسرهما معاً: الانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف العدوان من جهة، وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة من جهة أخرى، في إطار مشروع وطني لا يسمح بتحويل الجيش إلى أداة لتنفيذ شروط إسرائيلية، كما لا يسمح ببقاء لبنان ساحة أو ورقة في الاستراتيجية الإيرانية. وهنا تلتقي القضية الوطنية مجدداً بالقضية الاجتماعية.
الدولة ليست جهازاً أمنياً
فالدولة التي نريدها لا تختصر بالجيش والأجهزة، مثلما أن السيادة لا تختصر بالسلاح والحدود. إنها أيضاً دولة تحمي الودائع والأجور والحقوق الاجتماعية والانسانية للبنانيين، وتعيد إعمار ما دمرته الحرب، وتعيد النازحين إلى قراهم، وتحمي حقهم في السكن والعمل والحياة الكريمة.
الدولة القادرة على احتكار السلاح يجب أن تكون قادرة أيضاً على احتكار المسؤولية تجاه مواطنيها. ولهذا فإن إعادة الإعمار، وحماية المتضررين، وإصلاح النظام المالي، واستعادة الودائع والحقوق الاجتماعية ليست ملفات تأتي بعد استعادة السيادة، بل هي من مكونات السيادة نفسها، ومن شروط استعادة ثقة اللبنانيين بدولتهم.
ومن هنا أيضاً تتحدد مسؤولية القوى اليسارية والديمقراطية المستقلة. فليس دورها الانضمام إلى معسكر يستعجل نزع السلاح بمعزل عن مشروع بناء الدولة، ولا إلى معسكر يستخدم العدوان الإسرائيلي لتبرير بقاء السلاح والارتباط بالمحاور. كما لا يمكنها اختزال الانهيار الاقتصادي في إصلاحات مالية وتقنية تتجاهل العدالة الاجتماعية وتوزيع الخسائر.
المطلوب إعادة جمع ما فرقته الطائفية والمحاورالخارجية: السيادة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية في مشروع وطني واحد.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من إدارة الوقت والانهيار، ولا إلى انتظار التسويات الخارجية. إنه يحتاج إلى انتقال فعلي من إدارة الأزمة إلى إعادة تأسيس الدولة: دولة تستعيد أرضها وقرارها، وتحصر السلاح في مؤسساتها، وتحمي مجتمعها وحقوقه، وتعيد بناء اقتصادها على أسس أكثر عدالة.
فكل الأطراف الخارجية تتصرف انطلاقاً من مصالحها: الولايات المتحدة، وإسرائيل، وإيران وسواها.
ويبقى السؤال اللبناني الذي لا يجوز أن يضيع وسط ضجيج السجالات:
أين المصلحة الوطنية اللبنانية، ومن يحمل مشروعها؟
ذلك هو التحدي الحقيقي. لأن الأزمة لم تعد فقط أن الآخرين يملكون مشاريع للبنان، بل أن قوى سلطته تواصل إدارة الانهيار وانتظار الخارج، فيما المهمة التي باتت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى هي إعادة بناء الدولة بوصفها دولة السيادة والمواطنة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية


