قمة واشنطن بين شي وترامب: هل تنقذ «هدنة الكبار» عالماً على حافة الانفجار؟

محمود القيسي
لماذا هذه القمة لا تشبه غيرها؟
في توقيت لا يشبه أي توقيت تاريخي آخر، يستعد العالم لمتابعة حدث استثنائي: قمة واشنطن بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأمريكي دونالد ترامب بين 23 و25 سبتمبر 2026.
إنها القمة الثانية بين الرجلين خلال ستة أشهر فقط، وزيارة شي الأولى لواشنطن منذ 2015. لكنها تأتي والعالم مأزوم على كل الجبهات: حرب مفتوحة مع إيران تشعل أسعار الطاقة، مضيقان عالميان (هرمز وباب المندب) شبه مغلقين، سباق محموم نحو ذكاء اصطناعي فائق بلا ضوابط، واقتصاد عالمي يترنح بين التضخم والركود.
لذلك، رغم أن التوقعات لا تراهن على “صفقة كبرى”، فإن مجرد انعقاد القمة هو بحد ذاته رسالة تهدئة للأسواق. إنها ليست قمة لحل مشاكل العالم، بل قمة لمنع العالم من الخروج عن السيطرة.
ماذا على الطاولة؟ ثلاثة ملفات تحدد مصير العالم
*1. الملف الاقتصادي – تمديد الهدنة وإنقاذ سلاسل الإمداد:*
هذا هو المحور الأهم. الهدنة التجارية التي أبرمت في بوسان في 30 أكتوبر 2025، والتي جمدت الرسوم الجمركية المتبادلة عند حوالي 20% بدلاً من قفزها إلى أرقام ثلاثية، تنتهي في 10 نوفمبر المقبل.
– *واشنطن تريد:* تمديداً قصيراً لبضعة أشهر للحفاظ على ورقة الضغط، وتأمين تدفق المعادن النادرة والمغناطيسية الصينية التي هي عصب صناعات السيارات وأشباه الموصلات.
– *بكين تريد:* تمديداً طويلاً حتى نهاية ولاية ترامب، مقابل حزمة مشتريات ضخمة. الوفد الصيني المرافق لشي يضم قادة أعمال كبار، والتسريبات تتحدث عن صفقة غاز مسال أمريكي بـ 6 مليارات دولار سنوياً، و200 طائرة بوينغ، وعودة شراء المنتجات الزراعية الأمريكية.
المفارقة أن ترامب الذي وعد باستخدام الرسوم لكبح الصين، يصل إلى القمة وهو في وضع حرج قبل الانتخابات النصفية في نوفمبر، مع تضخم 3.4% وديزل فوق 6 دولارات، بينما تحقق الصين فائضاً تجارياً عالمياً يتجه لتجاوز تريليون دولار للعام الثاني على التوالي. كما قال الخبير سكوت كينيدي: “اعتقدت إدارة ترامب أنها تستطيع إجبار الصين، لكن ذلك لم يحدث. الآن هذا عالم شي جينبينغ ونحن نعيش فيه”.
واقترح الجانبان تفعيل *”مجلس التجارة”* لتخفيض الرسوم على السلع غير الاستراتيجية والاستهلاكية منخفضة التكنولوجيا لتخفيف التضخم.
*2. ملف الذكاء الاصطناعي – وضع صمامات أمان قبل الكارثة:*
لأول مرة، يتحول الذكاء الاصطناعي من ملف تنافسي إلى ملف أمن قومي مشترك.
كشف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بعد لقائه نائب رئيس الوزراء الصيني خه لي فنغ في نيويورك الأحد، أن واشنطن اقترحت آلية إخطار أمني متبادل حول الحوادث الخطيرة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي التي ترتقي لمستوى الأمن القومي.
قال بيسنت: “الانتقال من الغموض إلى الشفافية بين القوتين الأولى والثانية في مجال الذكاء الاصطناعي أمر بالغ الأهمية”.
بكين التي أطلقت مبادرة منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي WAICO في شنغهاي، مستعدة للحوار التقني حول السلامة، لكنها ترفض استخدامه كأداة لإبطاء المنافسين وتثبيت التفوق الأمريكي. حضور عمالقة التكنولوجيا (ألتمان، هوانغ، كوك، بيزوس، ماسك) لعشاء الدولة في البيت الأبيض يؤكد أن مستقبل الصناعة سيُرسم في هذه القمة.
*3. ملفات الحروب الساخنة – إيران وتايوان وأوكرانيا:*
– *إيران:* هذا هو ملف ترامب الأكثر إلحاحاً. الحرب المكلفة مع إيران أضرت بشعبيته. واشنطن أطلقت عملية “المنبوذ الاقتصادي” لعزل طهران مالياً، لكنها لم تجرؤ حتى الآن على معاقبة الصين، المشتري الأكبر للنفط الإيراني. بكين التي دعت لوقف دائم لإطلاق النار وفتح مضيق هرمز “في أسرع وقت”، تجد نفسها في موقع الوسيط الضامن. الصين اشترطت على طهران فتح هرمز ووقف الهجمات على الخليج، مقابل عدم الانضمام للحصار الأمريكي. إنها مقايضة دقيقة.
– *تايوان:* هذا هو الخط الأحمر لشي. بكين تعتبرها “أهم قضية في العلاقات الصينية-الأمريكية” وحذرت من أن سوء التعامل معها قد يؤدي لصدام. ترامب وصف حزمة أسلحة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار بأنها “ورقة تفاوض”. حلفاء واشنطن في تايبيه وطوكيو قلقون من أن يبيع ترامب الورقة مقابل مكاسب زراعية قبل الانتخابات. المبدأ الصيني الجديد هو “تبادل المنفعة”: راعوا مخاوفنا في تايوان، نراعي مخاوفكم في القانون والزراعة.
– *أوكرانيا:* موسكو تتحدث عن قمة ثلاثية مقترحة في شنتشن، وبكين ونيودلهي أبدتا استعداداً للعب دور في إنهاء الحرب، بعد أن طلبت بكين من كييف عدم قصف فلاديفوستوك خلال منتدى اقتصادي والتزمت كييف.
الخاتمة – إدارة الخلاف لا حله:
لا يمكن حصر قمة ترامب-شي في عبارة “آمال منخفضة” التي تروج لها وسائل الإعلام.
هذه القمة لن تقدم حلاً سحرياً لأزمات العالم، ولن تكون يالطا جديدة. فترامب، كما يقول الخبراء، ليس ترومان الذي أسس الناتو، ولا نيكسون الذي فتح الصين. هو ليس رجل التسويات الكبرى، بل رجل الصفقات التكتيكية غير المتوقعة.
وما يريده شي ليس صفقة كبرى. كما قال خبير بروكينغز جون تزين: “شي لا يسعى لأمور ملموسة. يريد تمديد التفاهم غير الرسمي حتى تتمكن الصين من تعزيز قدراتها”.
ما ستقدمه القمة للعالم المأزوم هو شيء أكثر تواضعاً وأكثر أهمية في آن واحد: *”إدارة حذرة للخلافات”*.
تمديد الهدنة التجارية لمنع صدمة تضخمية، وضع صمام أمان للذكاء الاصطناعي لمنع صدام غير مقصود، وإيجاد مخرج يحفظ ماء الوجه للجميع في حرب المضايق. في عالم يرقص على حافة الهاوية، مجرد ضمان عدم سقوطه هو إنجاز بحد ذاته. هذه هي رسالة واشنطن: العالم على الطاولة، لكن ليس للحل، بل لمنع الانفجار



