خبر عاجلسياسةمقالات

قد يتحول لبنان إلى العقدة الأكثر حساسية في الاتفاق النووي مع إيران – خالد العزي

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

قد يتحول لبنان إلى العقدة الأكثر حساسية في الاتفاق النووي مع إيران – خالد العزي

 

 

 

 

د. خالد العزي

 

في الوقت الذي تتسارع فيه المؤشرات حول اقتراب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى تفاهم جديد بشأن الملف النووي، يبدو أن الساحة اللبنانية بدأت تتحول تدريجيًا إلى إحدى أكثر القضايا تعقيدًا داخل هذا المسار التفاوضي، لأن مسار العلاقة بين البلدين بات يبدو منفصلًا بوضوح منذ الإعلان عن اتفاق الهدنة بين إيران والولايات المتحدة، مقارنةً بالهدنة التي جرى التوصل إليها بين لبنان وإسرائيل. فلبنان لم يعد مجرد ساحة جانبية في الصراع الإقليمي، بل بات ورقة متشابكة تربط بين الحسابات الأمنية الإسرائيلية، والنفوذ الإيراني، والرؤية الأمريكية لإعادة ترتيب توازنات الشرق الأوسط.

 

الموقف اللبناني الرسمي الاولية لحماية لبنان

 

الرئيس اللبناني جوزيف عون حاول، في خطابه بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، إعادة التأكيد على أولوية الانسحاب الإسرائيلي ووقف العمليات العسكرية في الجنوب، مشددًا على أن استعادة السيادة الكاملة للدولة اللبنانية أصبحت مطلبًا وطنيًا جامعًا. كما حرص على إبراز دور الجيش اللبناني باعتباره الجهة الوحيدة المخولة بحماية الأمن القومي ووحدة الأراضي اللبنانية، في محاولة واضحة لإعادة تثبيت منطق الدولة في مواجهة واقع السلاح المتعدد داخل البلاد.

 

لكن خلف هذا الخطاب تبدو الصورة الإقليمية أكثر تعقيدًا. فطهران، التي تخوض مفاوضات غير مباشرة مع واشنطن، لم تعد تفصل بين الملف النووي وملفات النفوذ الإقليمي. ولهذا جاء تصريح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي ليؤكد أن وقف العمليات الإسرائيلية ضد لبنان بات جزءًا من النقاشات الجارية مع الولايات المتحدة. ويعكس هذا الموقف إدراكًا إيرانيًا بأن مستقبل نفوذها الإقليمي، وخصوصًا عبر حزب الله، لا ينفصل عن أي تفاهم نووي محتمل.

 

ورغم المحاولات الإيرانية الدؤوبة لربط الساحة اللبنانية بطهران، بهدف الإبقاء على الورقة اللبنانية تحت شعار “وحدة الساحات” وربط الجبهات بعضها ببعض، إلا أن المؤشرات توحي بأن الولايات المتحدة لن تسمح بمنح إيران مكاسب مجانية، كما أن إسرائيل لا تبدو مستعدة لتنفيذ أي مطالب أمريكية من دون تحقيق مكاسب أمنية وسياسية مقابلة.

 

التطلعات الإسرائيلية :الضغط بالقوة

 

في المقابل، يبدو أن إسرائيل تتحرك بمنطق مختلف تمامًا. فحكومة بنيامين نتنياهو لا تنظر إلى لبنان باعتباره ملفًا يمكن تجميده أو تأجيله ضمن ترتيبات إقليمية أوسع، بل تعتبر أن الحرب الحالية تمثل فرصة لإعادة صياغة الواقع الأمني على الحدود الشمالية بصورة جذرية. ولهذا أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زمير موافقته على خطط لمواصلة العمليات العسكرية ضد حزب الله، مع تأكيد واضح على تكثيف الضربات ومنع عودة التهديدات إلى شمال إسرائيل.

 

وتشير التسريبات الإسرائيلية إلى أن المؤسسة الأمنية لا تريد العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل اندلاع المواجهة الأخيرة. فإسرائيل تسعى إلى الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية داخل الجنوب اللبناني، بل إن بعض الطروحات تتحدث عن الإبقاء على شريط أمني داخل الأراضي اللبنانية، أو حتى إنشاء قواعد عسكرية دائمة تمنع عودة مقاتلي حزب الله والسكان النازحين إلى بعض القرى الحدودية.

 

ويكشف هذا التوجه أن إسرائيل لا تتعامل مع الجنوب اللبناني كملف مؤقت، وإنما كجزء من إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها. وهي ترى أن أي اتفاق مع إيران لا يضمن تقليص نفوذ حزب الله ميدانيًا سيبقى اتفاقًا ناقصًا من منظورها الاستراتيجي.

 

حزب الله والإصرار على ربط الساحة بإيران

 

أما الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، فقد حاول بدوره ربط مستقبل لبنان مباشرة بنتائج التفاهم الأمريكي الإيراني، معبرًا عن أمله في أن يؤدي الاتفاق المرتقب إلى وقف إطلاق النار في المنطقة بأكملها. غير أن هذا الرهان يصطدم بعقبة أساسية، إذ تبدو إسرائيل مقتنعة بأن المرحلة الحالية تمنحها فرصة تاريخية لإضعاف حزب الله بصورة غير مسبوقة، وهي لا تبدو مستعدة للتراجع بسهولة، حتى لو أدى ذلك إلى تعقيد المفاوضات الأمريكية الإيرانية.

 

الموقف الامريكي واحتواء الازمة

 

وهنا تظهر المفارقة الكبرى. فبينما تسعى واشنطن إلى احتواء التوتر الإقليمي عبر اتفاق نووي جديد، قد يتحول لبنان نفسه إلى أحد أبرز العوامل التي تهدد هذا الاتفاق. فإيران تريد ضمان حماية نفوذها الإقليمي، وإسرائيل تريد حرية مطلقة في ضرب هذا النفوذ، أما لبنان فيجد نفسه عالقًا بين مشروعين متناقضين: مشروع إقليمي تقوده طهران، ومشروع أمني تسعى إسرائيل إلى فرضه بالقوة العسكرية.

 

وفي ظل هذا التشابك، تبدو الساحة اللبنانية مرشحة لأن تبقى نقطة اختبار حقيقية لأي تفاهم أمريكي ـ إيراني مقبل. لأن السؤال لم يعد متعلقًا فقط باليورانيوم والتخصيب والعقوبات، بل أيضًا بمستقبل موازين القوى في الشرق الأوسط، وحدود النفوذ، ومن يملك حق رسم قواعد الأمن الإقليمي في المرحلة المقبلة.

 

ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع الرئيس دونالد ترامب الفصل بين الاتفاق النووي والملفات الإقليمية، أم أن لبنان سيصبح العقدة التي تعطل التسوية بأكملها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى