في ذكرى داني شمعون… أسئلة لا بدّ أن يجيب عنها جعجع

مناشير
في 21 تشرين الأول 1990، اقتحم مسلحون منزل داني شمعون في بعبدا، وأطلقوا النار عليه وعلى زوجته إنغريد عبد النور وطفليه طارق وجوليان. كان طارق في السابعة، وجوليان في الخامسة، فيما نجت شقيقتهما الصغيرة تمارا بعدما لم يعلم القتلة بوجودها.
لم تكن الجريمة اغتيالاً سياسياً فحسب، بل مجزرة عائلية أزيلت فيها عائلة مسيحية من الوجود، وقُتل طفلان داخل منزلهما، في واحدة من أكثر جرائم الحرب اللبنانية قسوة والتباساً.
بعد سنوات، أحال مجلس الوزراء القضية على المجلس العدلي، باعتبارها جريمة تمسّ أمن الدولة والحياة الوطنية. وفي 24 حزيران 1995، أصدر المجلس حكمه برئاسة الرئيس الأول لمحكمة التمييز فيليب خيرالله، وعضوية القضاة جورج قاصوف، حكمت هرموش، حسين زين وحسن قواس.
وقضى الحكم بإدانة سمير جعجع، وإنزال عقوبة الإعدام به خُفّضت إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، فيما صدرت أحكام بحق عدد من المتهمين الآخرين.
كان ذلك حكماً قضائياً صادراً عن المجلس العدلي، لا مجرد اتهام سياسي أو حملة إعلامية. وفي المقابل، بقي الحكم موضع اعتراض وتشكيك، إذ اعتبرت منظمة العفو الدولية أن المحاكمة شابتها عيوب خطيرة، فيما رفض داني شمعون، شقيق داني، الرواية التي حمّلت جعجع المسؤولية، وقال إن النظام السوري كان يقف خلف الجريمة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بظروف المحاكمة، بل بما فعله جعجع بعد خروجه من السجن وعودته إلى الحياة السياسية.
فجعجع لم يبقَ خارج الدولة أو عاجزاً عن الحركة. أصبح رئيس قوة سياسية وازنة، وامتلك كتلة نيابية كبيرة، وشارك في الحكومات، وكان شريكاً في اتفاقات سياسية أوصلت رئيساً للجمهورية. وكان لديه موقع سياسي، ووزراء، ومحامون، وإمكانات تتيح له تحويل روايته من خطاب إعلامي إلى مسار قانوني.
وهنا تُطرح الأسئلة التي لا بد من الإجابة عنها:
إذا كان جعجع مقتنعاً بأنه أُدين ظلماً، فلماذا لم يتقدّم بطلب إعادة محاكمة؟
إذا كان يعتبر أن الحكم رُكّب في عهد الوصاية السورية، فأين الأدلة الجديدة التي تثبت ذلك؟
وإذا كانت المحاكمة معيبة إلى هذا الحد، فلماذا لم تُجمع الثغرات في ملف قانوني واضح يُعرض على القضاء؟
القانون اللبناني لا يتيح استئناف أحكام المجلس العدلي أو تمييزها أمام محكمة أعلى. لكن المادة 366 من قانون أصول المحاكمات الجزائية أبقت طريقين استثنائيين: الاعتراض وإعادة المحاكمة، وجعلت المجلس العدلي نفسه المرجع المختص بالنظر في طلب إعادة المحاكمة.
وإعادة المحاكمة لا تُبنى على الموقف السياسي وحده، بل على أسباب محددة، بينها ظهور دليل أو مستند جديد كان مجهولاً أثناء المحاكمة ومن شأنه إثبات البراءة، أو ثبوت كذب شهادة بُني عليها الحكم، أو وجود أحكام متناقضة في الجريمة نفسها.
لذلك، لم يكن المطلوب من جعجع أن يطلب من مجلس النواب إلغاء الحكم، أو أن يتوجه إلى المجلس الدستوري، لأن أياً منهما لا يملك صلاحية إعادة محاكمة شخص أو تقييم الأدلة. كان المطلوب، إذا كان يملك معطيات جدية، أن يضعها أمام المجلس العدلي عبر طلب قانوني واضح ومبني على أسباب قابلة للبحث.
وهنا تكمن المفارقة: جعجع أمضى سنوات في الدفاع عن براءته أمام الإعلام والسياسة، لكنه لم يقدّم للرأي العام مساراً قانونياً معلناً يشرح لماذا لم تُطلب إعادة المحاكمة، أو لماذا تعذّر تقديمها، أو ما إذا كانت شروطها متوافرة أصلاً.
لا يعني ذلك افتراض صحة الحكم، ولا إسقاط الاعتراضات على المحاكمة. لكنه يعني أن من يحمل رواية مضادة لحكم قضائي مبرم، ويمتلك لاحقاً موقعاً سياسياً وإمكانات قانونية واسعة، يصبح معنياً بتحويل هذه الرواية إلى ملف أمام القضاء.
فقضية داني شمعون لا تتعلق بمنافسة بين حزبين، ولا بخلاف شخصي بين جعجع وخصومه. إنها قضية رجل وزوجة وطفلين قُتلوا داخل منزلهم، وجريمة تركت جرحاً عميقاً في الذاكرة المسيحية واللبنانية.
والحقيقة لا تصنع أزمة جديدة. الحقيقة تنهي الأزمات القديمة، وتمنع بقاء الذاكرة رهينة الروايات المتناقضة. فإذا كان الحكم صحيحاً، فإن إعادة المحاكمة، متى توافرت شروطها، تؤكده. وإذا كان خاطئاً، فإن تصحيحه يعيد الاعتبار إلى الضحايا وإلى العدالة معاً.
بعد 36 عاماً، لا يزال الحكم قائماً، ولا تزال رواية جعجع السياسية قائمة أيضاً. وبين الحكم والرواية، يبقى السؤال الأوضح: لماذا لم يذهب جعجع إلى المحكمة ليبرئ نفسه، إذا كان مقتنعاً بأن المحكمة أخطأت بحقه؟
“ليبانون ديبايت”



