في ذكرى انفجار المرفأ… العدالة شرط لقيام الدولة – زكـي طـه

كتب زكـي طـه في بيروت الحرية
تمر ست سنوات على الرابع من آب، ولا يزال ذلك المساء المشؤوم حاضراً في ذاكرة اللبنانيين كأنه حدث بالأمس. ففي لحظة واحدة، تحولت بيروت إلى مدينة منكوبة، وسقط مئات الضحايا وآلاف الجرحى، وتشردت عائلات، وانهارت أحياء كاملة، وانكسرت حياة أناس لن تعود كما كانت.
الكارثة لم تكن مجرد انفجار هائل دمّر العاصمة، بل كانت انفجاراً مدوياً في معنى الدولة نفسها. لقد شعر اللبنانيون يومها بأنهم لم يكونوا ضحايا حادث عابر، بل ضحايا منظومة كاملة من الإهمال والفساد والمحاصصة والإفلات من المحاسبة. منظومة حكم اعتادت أن تتعامل مع الدولة باعتبارها غنيمة، ومع المؤسسات باعتبارها أدوات لتقاسم النفوذ، ومع المواطنين باعتبارهم مجرد أرقام في حسابات السلطة.
ومنذ الساعات الأولى بعد الانفجار، طالب أهالي الضحايا واللبنانيون جميعاً بحقيقة واضحة وعدالة نزيهة، لا بدافع الانتقام، بل لأن العدالة وحدها قادرة على رد الاعتبار للضحايا وحماية الأحياء من تكرار المأساة.
غير أن السنوات الست الماضية كشفت وجهاً آخر للمأساة. فبدلاً من أن تتكاتف مؤسسات الدولة لإنجاز التحقيق وكشف المسؤوليات، تحولت القضية إلى ساحة جديدة للصراع السياسي، وتوالت محاولات التعطيل والعرقلة والطعن والضغوط، حتى بدا وكأن حماية مواقع النفوذ أصبحت، بالنسبة إلى قوى السلطة، أهم من حق ألوف عائلات الضحايا والجرحى في معرفة الحقيقة.
واليوم، وبعد مرور أشهر على إحالة ملف التحقيق إلى النيابة العامة التمييزية، لا يزال اللبنانيون ينتظرون ما يؤكد أن العدالة لم تمت، وأن الحقيقة لم تُدفن تحت ركام السياسة والمصالح المتشابكة.
إن أكثر ما يؤلم في هذه الذكرى ليس فقط تأخر العدالة، بل ذلك التآكل الأخلاقي الذي أصاب الحياة العامة. فمنظومة السلطة التي تتبادل الاتهامات في السياسة، تتوحد عملياً كلما تعلق الأمر بحماية نظام الحصانات والإفلات من العقاب. ولم تعد المأساة، بالنسبة إلى كثير من أطرافها، قضية بشر فقدوا أبناءهم وأرزاقهم وبيوتهم، بل ملف يجب احتواؤه، وتأجيله، وإغراقه في متاهات الإجراءات والنفوذ.
وهنا تكمن المأساة الأكبر.
فحين تفقد الدولة قدرتها على إنصاف ضحاياها، لا تضيع العدالة وحدها، بل يتصدع العقد الأخلاقي الذي تقوم عليه فكرة الدولة نفسها. وحين يشعر المواطن بأن الحقيقة يمكن أن تُؤجل إلى ما لا نهاية، وأن المسؤولية يمكن أن تضيع بين الحصانات والضغوط والتوازنات، يصبح انعدام الثقة بالمؤسسات نتيجة طبيعية، لا مجرد انطباع سياسي.
لقد أثبت انفجار المرفأ، مرة أخرى، أن النظام القائم على المحاصصة الطائفية لا ينتج دولة مسؤولة، بل سلطات متجاورة تتقاسم النفوذ وتتبادل الحماية، فيما يبقى المواطن وحده من يدفع الثمن.
ولذلك، فإن قضية الرابع من آب ليست قضية أهالي الضحايا وحدهم، ولا قضية العاصمة وحدها، بل هي قضية وطن بأكمله. إنها امتحان لمعنى العدالة، ولمعنى المساواة أمام القانون، ولمعنى المسؤولية العامة. وهي، قبل كل شيء، امتحان لقدرة لبنان على الانتقال من دولة الحصانات إلى دولة القانون.
إن الوفاء الحقيقي للضحايا لا يكون بإحياء الذكرى مرة كل عام، ولا بإطلاق الخطب المؤثرة، بل بالإصرار على كشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من يثبت القضاء مسؤوليته، أياً يكن موقعه أو انتماؤه أو نفوذه، فلا أحد ينبغي أن يكون فوق القانون، ولا حصانة أمام دم الأبرياء.
إن بناء الدولة يبدأ من هنا.
من الاعتراف بأن العدالة ليست مطلباً فئوياً أو شعاراً سياسياً، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الثقة الوطنية، والضمانة الوحيدة لكي لا يتحول لبنان مرة أخرى إلى وطن يدفع فيه الأبرياء ثمن استهتار السلطة وعجزها وتواطؤها.
في هذه الذكرى الأليمة، ننحني أمام أرواح الضحايا، ونتضامن مع عائلاتهم التي لم تتوقف، رغم الألم، عن الدفاع عن حق اللبنانيين جميعاً في الحقيقة والعدالة.
فلا دولة من دون عدالة. ولا عدالة مع الإفلات من العقاب.
ولا مستقبل للبنان ما لم يصبح الرابع من آب محطةً لاستعادة الدولة، لا مجرد تاريخ جديد يُضاف إلى سجل المآسي الوطنية.



