عندما يتحوّل “الزفت” إلى بطاقة ولاء… فمن يختطف وزارة الأشغال؟ – أسامة القادري

اسامة القادري
لم يعد الجدل في البقاع يدور حول حفرة في طريق أو مشروع صيانة هنا وهناك، بل حول سؤال أخطر: هل أصبحت وزارة الأشغال تُدار بعقلية الدولة، أم بعقلية “المفاتيح السياسية”؟ وهل بات حق البلديات في الحصول على مشاريع الصيانة مرتبطًا بمن تتبع سياسيًا، لا بحجم حاجتها؟
الضجة التي فجّرها النائب حسن مراد لم تكن مجرد سجال سياسي، بل وضعت إصبعها على جرح يعرفه أبناء البقاع جيدًا. فكيف يُفسَّر أن تُزفّت طرقات داخلية في بعض القرى على امتداد كيلومترات مكافئة لرئيس بلديتها الموالي لحزب الوزير، بينما تُترك قرى أخرى تكافح مع طرقها الرئيسية المتهالكة بانتظار وساطة النائب؟
فإذا كانت البلديات لا تستطيع الوصول إلى موافقة وزير الاشغال فايز رسامني إلا عبر النائب وائل ابو فاعور، فأي دولة هذه التي تجعل حق المواطن رهينة الوساطة السياسية؟
الأخطر أن هذا الواقع، يحوّل المال العام إلى أداة نفوذ، ويجعل الزفت وسيلة لتوسيع القاعدة الشعبية لا مشروعًا إنمائيًا يخدم الجميع. فالطرقات لا تُعبّد لإرضاء هذا الفريق أو معاقبة ذاك، ولا يجوز أن تصبح مشاريع الدولة جزءًا من ماكينة النفوذ والولاءات.
ثم يأتي مشهد الكيل بمكيالين. من كانوا يرفعون راية محاربة المحسوبيات أصبحوا اليوم يدافعون عنها عندما تخدمهم، ومن كانوا يهاجمون الوساطات باتوا يعتبرونها إنجازًا سياسيًا. تبدلت الأسماء، لكن النهج بقي كما هو: الدولة تُختزل بشخص، والوزارة تُختزل بنائب، وحقوق الناس تُختزل بحسابات انتخابية.
إذا كانت وزارة الأشغال واثقة من عدالة آلية عملها، فلتضع كل الأوراق على الطاولة. فلتنشر أسماء القرى التي استفادت، والمساحات التي زُفّت، والكلفة، والمعايير الفنية التي اعتمدت. أما الاكتفاء بالبيانات والردود السياسية، فلن يبدد الشكوك، بل سيزيدها.
الإنماء لا يُقاس بعدد الصور فوق طبقة من الزفت، بل بعدالة توزيع المشاريع. والدولة لا تُبنى بالوساطات، بل بالمساواة. أما أن يشعر أبناء قرية بأن طريقهم لن تُعبّد إلا إذا غيّروا موقعهم السياسي، فهذه ليست إدارة عامة، بل سقوط مدوٍ لمفهوم الدولة.
في النهاية، ليست القضية فايز رسامني أو وائل أبو فاعور أو حسن مراد. القضية أن وزارة سيادية تُصرف من أموال اللبنانيين يجب أن تكون على مسافة واحدة من الجميع. فإذا أصبح الزفت يُمنح وفق ميزان الولاء، فلن يكون ما يُعبّد هو الطرقات، بل طريق الزبائنية السياسية، على حساب الدولة وحقوق المواطنين.



