خبر عاجلفسحة ثقافة

عفيف دياب يوقع روايته «بيجو 504»… سيارة تفتح ذاكرة الجنوب والحرب والحب – أسامة القادري

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

عفيف دياب يوقع روايته «بيجو 504»… سيارة تفتح ذاكرة الجنوب والحرب والحب – أسامة القادري

اسامة القادري – مناشير

وقّع الزميل الصحافي والروائي عفيف دياب روايته «بيجو 504»، أمس، في البيال، بحضور نخبة من الوجوه الفكرية والثقافية والأدبية والصحافية، إلى جانب الأهل والأصدقاء.

عفيف دياب الذي عرفته عن قرب، مناضل وطني، ومنحاز الى قضايا الناس، يمتلك ذاكرة غنية، وثقافة واسعة، وعيناً ثاقبة تجيد التقاط الصورة من قلب الحدث. وفي روايته الأولى، يستعيد من ذاكرة الجنوب حكاية قرية حدودية التصقت بالقضية الفلسطينية، وعاشت على إيقاع الحروب والتحوّلات، حيث اختلطت السياسة بالمقاومة، والحب بالخوف، والأحلام بمرارة الخسارات.

في روايته الصادرة عن دار الفارابي، يعود دياب إلى قرية جنوبية غير مسمّاة، تمتد حكايتها من أواخر ستينيات القرن الماضي إلى مطلع الثمانينيات، مروراً بنكسة 1967 والحرب اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي عام 1982. لكنه لا يكتب تاريخاً للأحداث بقدر ما يروي أثرها في الناس الذين عاشوها، ودفعوا أثماناً لم تكن دائماً من اختيارهم.

سيارة تختصر ذاكرة وطن

ليست «بيجو 504» مجرّد سيارة في الرواية، بل علامة على زمن لبناني كانت فيه التفاصيل اليومية تحمل دلالات سياسية وأمنية، وكانت السيارات والوجوه والرايات تثير أسئلة تتجاوز حضورها العابر، وصولاً إلى ذاكرة مرحلة ارتبطت فيها بعض السيارات بالوجود السوري وأجهزته الأمنية.

هنا تكمن براعة العنوان: تفصيل مألوف يتحوّل إلى مفتاح لذاكرة جماعية. فالتاريخ لا يُكتب بالبيانات والخطب وحدها؛ إنه يسكن أيضاً الطرقات والحواجز والوجوه، وفي تفاصيل حياة انقلبت فجأة تحت وطأة الحرب.

لكن دياب لا يحصر الجنوب في السياسة والجبهات. خلف المشهد الكبير، ثمّة قرية تحاول أن تعيش، وعائلات تتمسّك بما تبقّى لها، وأفراد يصارعون للحفاظ على حياتهم وسط واقع يضيّق خياراتهم.

تبرز مريم بوصفها صوتاً إنسانياً يكشف ما تفعله الحرب بالعائلة والحياة اليومية، فيما يجسّد عبدو صراع الإنسان مع قناعاته وانتماءاته. وبينهما، تتجاوز الحكاية سؤال الحب لتطرح سؤالاً أكثر إيلاماً: ماذا يبقى من حياة الإنسان حين تتسلّل الحرب إلى أكثر علاقاته خصوصية؟

حين تدفع الحياة ثمن القضايا الكبرى

بخبرته الصحافية، يقترب دياب من الواقع اللبناني من دون أن يحوّل الرواية إلى سجلّ للوقائع. فالصحافي يتتبّع ما حدث، أما الروائي فيحاول أن يكشف ما تركه الحدث في النفوس، وكيف غيّر العلاقات والأحلام وحتى نظرة الإنسان إلى نفسه.

ومن هذه الزاوية، لا تتوقف «بيجو 504» عند البطولة أو الهزيمة، بل تذهب إلى المنطقة الأكثر تعقيداً بينهما: الكلفة الإنسانية للصراع. قد تنتهي المعارك وتتبدّل موازين القوى، لكن العائلة لا تستعيد بالضرورة ما فقدته، والمناضل قد يجد نفسه أمام واقع لا يشبه أحلامه، والقرية لا تعود كما كانت.

ليست هذه دعوة إلى إنكار التضحيات، بل محاولة لفهم الثمن الذي يدفعه الناس حين تصبح حياتهم رهينة قضايا أكبر منهم، وحين تتراجع المساحة المتاحة للحب والأمان والاختيار.

في «بيجو 504»، يستعيد الجنوب إنسانيته بعيداً عن الصور النمطية. أبناؤه ليسوا مجرّد بنادق أو شعارات، بل أشخاص يحبّون ويخافون ويحلمون ويخسرون، ويحاولون مواصلة الحياة رغم كل ما انكسر حولهم.

رواية عن الناس الذين تتركهم الحرب خلفها

بهذا المعنى، يقدّم عفيف دياب أكثر من حكاية عن قرية جنوبية أو سيارة ارتبطت بمرحلة سياسية وأمنية؛ إنه يفتح نافذة على ذاكرة لبنانية تتقاطع فيها القضية مع الحياة، والمقاومة مع الأسئلة الإنسانية، والأحلام مع الخيبات.

فالحروب لا تنتهي حين تصمت المدافع، ولا تُقاس نتائجها بما يتغيّر على الخرائط وحدها، بل بما تتركه في البيوت والقلوب والذاكرة.

وأحياناً، تكفي سيارة قديمة لتعيد إلى الطريق حكاية وطن بأكمله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى