خبر عاجلدوليات

سوريا والصين: شراكة تتعزّز في زمن التحوّلات الدولية

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

سوريا والصين: شراكة تتعزّز في زمن التحوّلات الدولية

 

اسامة القادري

تشير زيارة وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني إلى العاصمة الصينية بكين، وما تلاها من بيان مشترك بين الجانبين، إلى مرحلة جديدة في مسار العلاقات السورية–الصينية، عنوانها الأبرز: تثبيت الشراكة الاستراتيجية والانفتاح على توازنات دولية مختلفة. فاللقاء الذي جمع الشيباني بوزير الخارجية الصيني وانغ يي لم يكن بروتوكولياً أو اعتيادياً، بل حمل رسائل سياسية واضحة، تعكس إدراك الطرفين لمسار التحوّلات التي يشهدها النظام الدولي.

فالصين منذ سنوات تسعى إلى بناء نموذج جديد من العلاقات مع دول الشرق الأوسط، يقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل والشراكة التنموية. والبيان الذي صدر عقب اللقاء يؤكد هذا التوجه بوضوح، إذ شدد على دعم بكين الكامل لسيادة سوريا ووحدتها الوطنية، ورفضها لأي محاولات للمساس باستقلال القرار السوري.

هذا الدعم ليس معزولاً عن سياسة الصين العالمية، التي تهدف إلى ترسيخ حضورها في المنطقة كقوة تعمل على تحقيق الاستقرار عبر أدوات التنمية والتعاون الاقتصادي، لا عبر التحالفات العسكرية التقليدية. ومن هنا، فإن تأكيد سوريا دعمها لمبادرات الرئيس الصيني شي جين بينغ—من التنمية العالمية إلى الحزام والطريق—يعكس فهمها لدور الصين المتصاعد في تشكيل الاقتصاد والسياسة الدوليين.

أما دمشق، تسعى إلى إعادة صياغة مقاربتها لعلاقاتها الخارجية بما يتناسب مع متطلبات المرحلة المقبلة، بعد سنوات طويلة من الحرب والتقلبات، فالتأكيد السوري على الالتزام بمبدأ “الصين الواحدة” وعلى استعدادها للعمل المشترك مع بكين في مجالات التنمية ومكافحة الإرهاب وإعادة الإعمار، يبرز رغبة الحكومة السورية في بناء تحالفات أكثر تنوعاً وتوازناً.
هذا ما أكده أيضاً رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية وائل خليل ياسين، الذي شدد على أنّ شعوب الشرق الأوسط تملك اليوم فرصة لإعادة تعريف دورها في العالم بعيداً عن التبعية والاستقطابات القديمة. ورأى ياسين أن سوريا أمام فرصة تاريخية لتكون جسراً بين الشرق والغرب، لا ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية والدولية.

وقال ياسين : تأتي هذه الزيارة في سياق دولي شديد التعقيد، يتسم بتصاعد التوتر بين روسيا والغرب في أوكرانيا، وبحدة التنافس الجيوسياسي والاقتصادي بين الصين والولايات المتحدة. وفي ظل هذا المشهد، تبدو الدول الصغيرة والمتوسطة في حاجة أكبر إلى تبني سياسات خارجية متوازنة تجنبها الانخراط في محاور حادة.
وأضاف أن البعد الآخر لا يقل أهمية: فاستقرار الشرق الأوسط بحد ذاته صار عاملاً غاية في الحساسية، بعدما أثبتت العقود الماضية أن أي اضطراب في المنطقة ينعكس على الاقتصاد الدولي برمّته. ومن هنا، فإن تأكيد الصين دعمها لمسيرة التنمية السورية، وإشادتها بجهود دمشق في مكافحة الإرهاب وتعزيز سيادة القانون، يندرج ضمن رؤية أوسع لبكين تهدف إلى دعم استقرار المنطقة عبر الأدوات الاقتصادية والسياسية.

على المستوى العملي، قال ياسين أن الصين تشكل أحد أهم الشركاء المحتملين في إعادة إعمار سوريا، وهو المشروع الذي يقدّر حجمه بمليارات الدولارات، ويتطلب قدرات مالية وتقنية لا تمتلكها اليوم سوى دول قليلة، على رأسها الصين. غير أن نجاح هذا المسار مرتبط بمدى قدرة سوريا على بناء بيئة آمنة وقابلة للاستثمار، وعلى تطوير مؤسسات قادرة على تخطيط وإدارة المشاريع الكبرى، وهو ما أشار إليه ياسين حين اعتبر أن تقوية المؤسسات السورية خطوة جوهرية لأي نهضة مقبلة.

في المحصلة، تعكس زيارة وزير الخارجية السوري إلى بكين مرحلة واعدة في العلاقة بين البلدين، مرحلة تتجاوز المواقف السياسية المباشرة، لتفتح الباب أمام تعاون استراتيجي طويل الأمد يقوم على التنمية، والسيادة، وتوازن العلاقات الدولية. وفي عالم تتزايد فيه الاستقطابات، تبحث كل من سوريا والصين عن مساحات مشتركة تتيح لهما حماية مصالحهما وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وهو ما يبدو أن هذه الزيارة قد وضعته على سكة التنفيذ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى