سوريا بين إعادة بناء الدولة وصراع مشاريع النفوذ – كتب زكــي

كتب زكــي طــه في بيروت الحرية
لم تعد المسألة السورية، بعد انهيار النظام السابق وقيام السلطة الجديدة، مجرد مسألة انتقال سياسي داخلي أو إعادة بناء دولة أنهكتها سنوات الحرب والانقسام. فقد عادت سوريا، بموقعها الجغرافي وتركيبتها المجتمعية وأهميتها الاستراتيجية، لتصبح واحدة من أهم ساحات الصراع في مرحلة إعادة تشكيل موازين القوى والنفوذ في المنطقة.
والجديد هذه المرة أن الصراع يجري في ظل تراجع واضح للدور الإيراني الذي حكم جانباً أساسياً من معادلات سوريا خلال المرحلة السابقة، وفي ظل تقدم مشروعين إقليميين متنافسين: مشروع إسرائيلي يسعى إلى تحويل التفوق العسكري الذي حققته إسرائيل إلى نفوذ سياسي وأمني دائم، ومشروع تركي يعمل على توسيع حضوره في سوريا من خلال دعم السلطة الجديدة والاستفادة من الفراغ الناشئ عن انحسار النفوذ الإيراني.
وبين المشروعين تحاول السلطة السورية إعادة بناء الدولة وتثبيت وحدتها واستعادة علاقاتها العربية والدولية، فيما لا تزال قدرتها على إنتاج قرار وطني مستقل محكوم بضعف الدولة، وبالانقسامات الداخلية، وبالحاجة إلى الدعم الخارجي.
إسرائيل: من احتلال الأرض إلى محاولة فرض الوصاية
تكشف التطورات في الجنوب السوري أن إسرائيل لا تتعامل مع احتلالها الجديد باعتباره إجراءً عسكرياً مؤقتاً. فالتوغلات، وإقامة المواقع والتحصينات، وتوسيع ما تسميه “الحزام الأمني”، تشير إلى محاولة تحويل التفوق العسكري إلى واقع جغرافي وأمني يُستخدم في مفاوضاتها مع دمشق.
والأخطر أن الرؤية الإسرائيلية تتجاوز الجنوب السوري نفسه. فإسرائيل تريد عملياً أن تحتفظ بحق تحديد القدرات العسكرية للدولة السورية، وأين يمكن لجيشها الانتشار، وما طبيعة علاقاتها وتحالفاتها الخارجية. وبذلك يصبح مفهوم “أمن إسرائيل” مدخلاً مفتوحاً للتدخل في تعريف السيادة السورية وتحديد حدود قوتها ووظيفتها.
هذه ليست مسألة سورية منفصلة. إنها امتداد لعقيدة إسرائيلية تتبلور في غزة ولبنان وسوريا معاً، عبر: نقل الحدود الأمنية الإسرائيلية إلى داخل أراضي الآخرين، وإنشاء مناطق عازلة، والاحتفاظ بحرية التدخل العسكري، ثم تحويل الوقائع التي تفرضها القوة إلى أوراق تفاوضية.
لذلك فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار احتلال أراضٍ سورية، بل في محاولة تحويل سوريا نفسها إلى دولة محدودة السيادة، تُفرض عليها ترتيبات أمنية يحددها ميزان القوة الإسرائيلي.
تركيا ليست بديلاً عن النفوذ الإيراني
لكن رفض المشروع الإسرائيلي لا ينبغي أن يقود إلى تجاهل المشروع التركي الصاعد. فتركيا لا تتحرك في سوريا بوصفها قوة مساندة لإعادة بناء الدولة السورية فحسب. إذ لديها مصالح أمنية واقتصادية وجيوسياسية خاصة، وحضور عسكري مباشر، وطموح متزايد إلى جعل سوريا جزءاً من مجال نفوذها الإقليمي، ومن شبكة الممرات الاقتصادية والتجارية التي تربط الخليج والعراق وتركيا بالبحر المتوسط وأوروبا.
ومن هنا يكتسب الاحتكاك الإسرائيلي ـ التركي في سوريا دلالة تتجاوز الحوادث العسكرية المنفردة. إنه تعبير عن تنافس بين قوتين إقليميتين على موقع سوريا في النظام الذي يتشكل بعد انحسار الدور الإيراني.
قد تتقاطع المصالح التركية مع مصالح سوريا أو بعض الدول العربية في هذه المرحلة، كما قد يشكل الحضور التركي عنصراً من عناصر موازنة الاندفاعة الإسرائيلية. لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن للدولة التركية مشروعها ومصالحها الخاصة. ومن الخطأ، بالتالي، أن يكون الخيار السوري الانتقال من الارتهان لنفوذ إقليمي إلى الاحتماء بنفوذ إقليمي آخر.
الدولة السورية هي القضية
هنا تحديداً تقع المعضلة السورية الأساسية. فالمواجهة الفعلية للمشروع الإسرائيلي لا تكون بالشعارات ولا بالعودة إلى منطق المحاور الذي ساهم سابقاً في تحويل سوريا إلى ساحة للصراعات الإقليمية. كما أنها لا تكون بالرهان على أن الولايات المتحدة ستتكفل بحماية السيادة السورية، ولا بوضع مستقبل البلاد في عهدة الحماية التركية. فالمهمة التاريخية المطروحة على السوريين هي إعادة بناء الدولة نفسها. دولة تستعيد وحدة أراضيها، وتعيد بناء مؤسساتها وجيشها على قاعدة وطنية. دولة تحمي التنوع المجتمعي السوري، وتحصنه من العودة إلى الانقسامات الطائفية والعرقية، وتعيد إنتاج شرعيتها من خلال المواطنة والمشاركة السياسية والحقوق المتساوية.
وهذا يعني أن نجاح المرحلة الجديدة لا يقاس فقط بقدرة السلطة في الحصول على الاعتراف الدولي، أو بناء علاقات جديدة مع العواصم العربية والغربية، بل بقدرتها على تحويل الانتقال السياسي إلى عملية تأسيس لدولة وطنية جامعة.
فالضعف الداخلي هو البيئة الأكثر ملاءمة لمشاريع الخارج. وكل انقسام طائفي أو قومي، وكل تهميش لمكوّن اجتماعي، وكل عجز عن بناء مؤسسات وطنية جامعة، يتحول إلى مدخل إضافي لتدخل القوى الإقليمية والدولية.
التفاوض ضرورة، وليس بديلاً عن السيادة
وفي ظل الاختلال الكبير في موازين القوى، ليس من الواقعية مطالبة سوريا بخوض مواجهة عسكرية مع إسرائيل. ولذلك يصبح التفاوض وسيلة ضرورية لمحاولة وقف التوسع الإسرائيلي، واستعادة الأراضي التي احتلت بعد سقوط النظام السابق.
لكن الفارق كبير بين استخدام التفاوض لاستعادة الحقوق وبين تحويله إلى طريق لشرعنة الوقائع التي فرضها الاحتلال شيء آخر.
إن العودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 يمكن أن تشكل مرجعية تمنع إسرائيل من فرض نقطة بداية جديدة للمفاوضات انطلاقاً من المواقع التي احتلتها لاحقاً. أما القبول بأن تحدد إسرائيل عمق المنطقة المنزوعة السلاح، وحجم الجيش السوري وتسليحه وانتشاره وعلاقات سوريا الدفاعية، فيتجاوز أي ترتيب حدودي إلى فرض وصاية فعلية على الدولة السورية.
وهنا يتكرر السؤال الذي تواجهه دول المنطقة كلها: كيف يمكن التفاوض في ظل اختلال ميزان القوى من دون تحويل الاختلال العسكري إلى تنازل دائم عن السيادة؟
لا توجد إجابة سهلة. لكن المؤكد أن القدرة التفاوضية لا تُبنى فقط على السلاح، بل أيضاً على وحدة المجتمع، وشرعية الدولة، وبناء علاقات عربية متوازنة، وسياسة خارجية ترفض الانخراط في المحاور المتصارعة.
المشروع وسوريا التي ينبغي أن تعود
تدخل سوريا اليوم مرحلة ربما تكون من أدق مراحل تاريخها الحديث. لقد تراجع المشروع الإيراني الذي جعل من أراضيها جزءاً من شبكة نفوذه الإقليمية، لكن الفراغ الذي تركه لا يعني تلقائياً ولادة دولة سورية مستقلة.
فإسرائيل تريد استثمار هذا الفراغ لفرض منطقة نفوذ وقيود طويلة الأمد على القوة السورية. وتركيا تتحرك لتوسيع حضورها السياسي والعسكري والاقتصادي. والولايات المتحدة تدير توازنات المنطقة انطلاقاً من مصالحها ومن ضمان أمن إسرائيل، فيما تسعى الدول العربية إلى استعادة موقعها وتأثيرها في مستقبل سوريا.
وسط هذه المشاريع جميعاً يبقى السؤال الأهم: أين المشروع السوري نفسه؟
إن المصلحة السورية، وهي في الوقت نفسه مصلحة عربية، ليست في استبدال الهيمنة الإيرانية بهيمنة إسرائيلية أو تركية، ولا في إعادة سوريا إلى لعبة المحاور، بل في مساعدتها على استعادة نفسها دولةً وطنية مستقلة.
وهذا يتطلب موقفاً عربياً واضحاً يرفض الاحتلال الإسرائيلي ومحاولات فرض الوصاية الأمنية على سوريا، كما يرفض تحويلها إلى مجال نفوذ لأي قوة إقليمية أخرى.
فالاستقرار الحقيقي لن ينتجه إلى تقسيم المنطقة إلى مساحات نفوذ، ولا تحويل الدول الضعيفة إلى أحزمة أمنية للدول الأقوى. وما تحتاجه سوريا بعد كل ما دفعه شعبها من أثمان ليس وصياً جديداً، بل فرصة تاريخية لإعادة بناء دولة لجميع السوريين.
وعند هذه النقطة تلتقي القضية السورية مع السؤال الذي يواجه لبنان والعراق وفلسطين وسائر المجتمعات المهددة بالتفكك:
إما إعادة بناء الدولة الوطنية الديمقراطية القادرة على حماية مجتمعها وسيادتها، وإما أن تبقى الجغرافيا العربية مفتوحة أمام مشاريع الآخرين وصراعاتهم.
وفي سوريا، ربما يكون هذا هو الصراع الأكثر حضورا في المرحلة المقبلة: ليس فقط الصراع على الأرض التي تحتلها إسرائيل، بل الصراع على أن تبقى سوريا نفسها دولةً، لا منطقة نفوذ في خرائط الآخرين.



