رصاصة عرمون تقود إلى «FOXTROT»… شبكة سويدية وجريمة عابرة للحدود أمام القضاء اللبناني

مناشير
لم تكن الرصاصة التي أُطلقت فجراً في عرمون، في 18 تشرين الأول 2025، مجرد حادثة سلب عابرة كما بدا في الساعات الأولى. فخلف الضحية ظهرت هوية عراقية مزورة، ونشرة حمراء صادرة عن الإنتربول، وخيوط تمتد من لبنان إلى السويد والدنمارك وهولندا وتركيا والعراق وإيران، وصولاً إلى اسم شبكة «FOXTROT»، إحدى أبرز شبكات الجريمة المنظمة التي برز اسمها في السويد.
وبحسب معطيات التحقيق القضائي، تضم القضية أربعة أسماء رئيسية، لكل منها موقع مختلف في الملف: حسن قانصوه، اللبناني السويدي الموقوف؛ سامر محمد خير علي قاسم، الأردني السويدي المتواري؛ روى مجيد، العراقي السويدي التركي الذي يصفه التحقيق بأنه المسؤول الأول عن «FOXTROT»؛ وLars Joakim Palmkuist، السويدي الذي ورد اسمه في مراسلات مرتبطة بتعقب مصير الضحية والتثبت من وفاته.
من عرمون إلى المستشفى… ثم الوفاة
بدأت القضية فجر 18 تشرين الأول 2025، عندما تعرض ياسر عادل عبد العزيز، المعروف بلقب «بنتلي»، لإطلاق نار من ثلاثة مسلحين ملثمين في عرمون، بالتزامن مع سلبه نحو 5 آلاف دولار.
نُقل عبد العزيز إلى مستشفى هارون، مستخدماً هوية عراقية مزورة باسم حسن أديب محمد علي. وبحسب المعطيات، أبلغ بأنه تعرض لمحاولة سلب، وأبدى عدم رغبته في الادعاء على أحد، طالباً العلاج والعودة إلى بلده.
لكن التحقيقات كشفت لاحقاً أن الرجل لم يكن عراقياً، بل سورياً يحمل الجنسية السويدية، من مواليد عام 1999، وأن بحقه نشرة حمراء من الإنتربول في قضية قتل شخصين وإحراقهما في السويد.
وفي 16 كانون الأول 2025، نُقل عبد العزيز إلى مستشفى جبل عامل بعدما عُثر عليه فاقداً للوعي. وأظهرت التقارير الطبية إصابته بالتهاب السحايا والتهاب رئوي والتهاب في المسالك البولية وانخفاضاً في مستوى الوعي، إضافة إلى آثار الإصابة النارية القديمة في النخاع الشوكي.
وفي 25 كانون الأول، توفي داخل المستشفى.
معلومات سويدية تغيّر مسار التحقيق
في 16 كانون الثاني 2026، تلقت الأجهزة اللبنانية معلومات من السلطات السويدية تفيد بأن عائلة عبد العزيز تخطط، بحسب تلك المعلومات، للانتقام من حسن قانصوه، للاشتباه بدوره في إطلاق النار عليه، مع الإشارة إلى ارتباطه المفترض بشبكة «FOXTROT».
وتولت المحامي العام التمييزي القاضية سمرندا نصار متابعة الملف، وأعطت إشاراتها إلى المجموعة الخاصة في وحدة الشرطة القضائية لتتبع حركة قانصوه، وتحليل اتصالاته وهواتفه ومواقعه الجغرافية، وتدقيق حركة الأشخاص المرتبطين به.
ومع ظهور معطيات عن وجوده في لبنان وتنقله بين لبنان وتركيا، صدر بحقه بلاغ بحث وتحر دائم لمنع مغادرته وتوقيفه.
توقيف في مطار بيروت
في 16 تموز 2026، أوقف الأمن العام حسن قانصوه في مطار رفيق الحريري الدولي أثناء محاولته السفر إلى إيران عبر العراق.
وبحسب التحقيق، ضُبطت بحوزته جوازات سفر لبنانية وسويدية وهوية سويدية وهاتفان ومبلغ 2800 دولار. كما تسلم المحققون بندقية كلاشينكوف مع 33 طلقة ومسدسين، إضافة إلى رخصة حمل سلاح أبرزها الموقوف.
وخلال استجوابه بحضور وكيله، أقر قانصوه، وفق محاضر التحقيق، بأنه يتاجر بالمخدرات في السويد وأنها مصدر رزقه، كما تحدث عن سجل عدلي سويدي يتضمن 44 جرماً، بينها قضايا مخدرات وحيازة أسلحة وتزوير ونصب واحتيال والتخطيط والأمر بالقتل واستخدام الهواتف المشفرة.
لكنه نفى بصورة قاطعة أي علاقة له بإطلاق النار على عبد العزيز أو المشاركة في قتله.
الهاتف يفتح باباً آخر
قال قانصوه إنه تعرف إلى «بنتلي» في لبنان عبر شخص يدعى يوسف، وصفه بأنه مرتبط بـ«FOXTROT» وغادر لاحقاً إلى الدنمارك حيث أوقف في قضايا قتل.
وأقر بأن عبد العزيز أقام سابقاً في منزله، وأن التواصل بينهما كان يتم عبر «سناب شات»، لكنه نفى وجود علاقة صداقة بينهما.
إلا أن تحليل الأجهزة والاتصالات، وفق المعطيات الواردة في التحقيق، أظهر سلسلة من الوقائع التي وضعت روايته أمام علامات استفهام.
فقد أظهرت حركة هاتف قانصوه تنقله يومي 17 و18 تشرين الأول بين الشياح والحازمية والرملة البيضاء والضاحية وطريق المطار وعرمون، قبل انتقاله باتجاه البقاع قرابة الرابعة فجراً.
والأكثر حساسية أن هاتفه ظهر في عرمون قرابة الثالثة فجراً، في توقيت قريب من حادثة إطلاق النار.
كما كشف الفحص حصول اتصال عبر «سناب شات» بين قانصوه وعبد العزيز عند الساعة 2:54 فجراً.
وعُثر كذلك على تسجيل مصور محذوف، التُقط قرابة الساعة 4:30 فجراً داخل سيارة، يظهر فيه قانصوه متحدثاً باللغة السويدية عن تغيير الإطارات. وأقر بأن الصوت يعود إليه، لكنه قال إنه لا يتذكر سبب التسجيل أو وجهته في ذلك الوقت.
هاتف آخر وتحركات متزامنة
وأظهرت داتا الاتصالات تزامن حركة هاتف آخر مع هاتف قانصوه، وتبين أن الرقم يعود إلى صديقه ذو الفقار قانصوه.
وبحسب التحقيق، رجّح حسن قانصوه بنسبة 90 في المئة أن يكون ذو الفقار قد رافقه في منتجع خلال الساعات التي سبقت الحادثة، إلا أن اسمه لم يرد ضمن لائحة المدعى عليهم في المعطيات المتاحة، وبقي في إطار الخيط الفني الذي عمل المحققون على تفكيكه.
خيط «FOXTROT» والتحويلات المشفرة
في الجهة الأخرى من الملف، يظهر اسم روى مجيد، الذي تصفه التحقيقات بأنه المسؤول الأول عن تنظيم «FOXTROT».
وكشف تحليل الهاتف، بحسب المعطيات، عن تحويلات مالية بالعملات الرقمية من محفظة نُسبت إلى مجيد باتجاه قانصوه بعد حادثة إطلاق النار.
وقال قانصوه إن التحويلات لا تتجاوز إطار العلاقة بين صديقين، موضحاً أن مجيد أرسل إليه 3 آلاف دولار لمساعدته قبل سفره إلى إيران.
وتشير المعطيات إلى وجود مجيد في إيران، وقد شمله الادعاء بصفته متوارياً.
لماذا كان قانصوه يريد التأكد من وفاة «بنتلي»؟
من أكثر خيوط التحقيق إثارة تلك المتعلقة بالسويدي Lars Joakim Palmkuist.
فبحسب المراسلات التي عُثر عليها، طلب قانصوه من Palmkuist مساعدته في تحديد مكان عبد العزيز والتأكد من وفاته، وأرسل إليه حساب الضحية على «سناب شات» وصورة لقبره، كما ألحّ على إجراء فحص للحمض النووي للتأكد من أن الوفاة ليست مزورة.
وقال قانصوه إن Palmkuist صحافي سويدي يعرفه منذ عام 2008، وإن الهدف من التواصل كان التثبت من وفاة شخص مطلوب دولياً.
إلا أن النيابة العامة شملت Palmkuist بالادعاء بجرائم القتل وتأليف جمعية بقصد ارتكاب الجنايات، فيما لا تكشف المعطيات المتاحة بصورة تفصيلية طبيعة الفعل التنفيذي المنسوب إليه خارج إطار المراسلات ودوره في تعقب مصير الضحية.
صور ورسائل ومجموعة «Warzone»
كما عُثر في هاتف قانصوه على صورة لحساب «سناب شات» كان يستخدمه عبد العزيز، وصور لوجهه بعد وفاته، إضافة إلى نشاط داخل مجموعة تحمل اسم «Warzone» بعد الحادثة.
وبحسب التحقيق، كان قانصوه يتابع بصورة لافتة مسألة وفاة عبد العزيز، ويطلب تأكيدها ويتحقق من احتمال أن يكون قد زوّر موته للفرار من الملاحقة الدولية.
وعندما وُوجه بهذه المعطيات، كرر قانصوه أنه لا يتذكر تفاصيل يوم الحادثة، ولا أسباب الاتصالات والمراسلات والتحركات، ولا سبب انتقاله إلى البقاع فجراً، نافياً إطلاق النار على عبد العزيز أو المشاركة في قتله.
ادعاء بالقتل وتأليف جمعية
بعد انتهاء التحقيقات الأولية، ادعى النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر على حسن قانصوه، الموقوف، وعلى سامر محمد خير علي قاسم وروى مجيد وLars Joakim Palmkuist، المتوارين، إضافة إلى كل من يظهره التحقيق.
وشمل الادعاء قتل ياسر عبد العزيز عمداً بإطلاق النار عليه من أسلحة حربية غير مرخصة، وتأليف جمعية بقصد ارتكاب الجنايات، سنداً إلى المواد 549 و335 و639 و640 من قانون العقوبات والمادة 72 من قانون الأسلحة، مع توقيف قانصوه وجاهياً وملاحقة الآخرين غيابياً.
وتبقى هذه الاتهامات رهن التحقيق والمحاكمة ولا تشكل حكماً قضائياً نهائياً.
لكن ما تكشفه أوراق الملف حتى الآن يتجاوز بكثير حدود حادثة إطلاق نار في عرمون: ضحية مطلوبة دولياً كانت تتحرك بهوية مزورة، وموقوف يحمل سجلاً قضائياً في السويد، وتحويلات بالعملات الرقمية تقود إلى اسم مرتبط، وفق التحقيق، بشبكة «FOXTROT»، واتصالات تمتد من أوروبا إلى لبنان وتركيا وإيران.
رصاصة واحدة في عرمون فتحت، وفق ما يظهر من التحقيقات، ملفاً لبنانياً على شبكة جريمة منظمة عابرة للحدود، فيما تبقى الكلمة الفصل للقضاء الذي يواصل تفكيك خيوط القضية وتحديد مسؤولية كل شخص فيها.



