سياسةمقالات

خالد علي الجراح – لبنان بين هيكلية الأمس وتحولات الإقليم: هل من فرصة أخيرة للتماهي مع حركة التاريخ؟

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

خالد علي الجراح – لبنان بين هيكلية الأمس وتحولات الإقليم: هل من فرصة أخيرة للتماهي مع حركة التاريخ؟

د. خالد علي الجراح

في أي مقاربة جديّة للمرحلة المقبلة في لبنان، لا يمكن التعامل مع الواقع الداخلي بوصفه حالة معزولة أو مكتفية بذاتها. فلبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية والاقتصادية الهشّة، كان ولا يزال يتأثر مباشرة بالتحولات الإقليمية، سلبًا أو إيجابًا. واليوم، تشهد المنطقة تغيّرات عميقة تمسّ بنية الأنظمة السياسية، وأنماط الحكم، وأولويات التنمية، ما يجعل أي مشروع نهوض لبناني منفصل عن هذا السياق محكومًا بالفشل.

أول هذه التحولات يتمثّل في سوريا، حيث تغيّرت الحبكة السياسية من جذورها بعد سنوات من الصراع. وبغضّ النظر عن المواقف السياسية المختلفة، فإن الواقع السوري الجديد يفرض نفسه كمعطى جيوسياسي لا يمكن للبنان تجاهله. سوريا لم تعد مجرد ساحة صراع، بل تسعى تدريجيًا إلى إعادة تعريف دورها الإقليمي، وإعادة بناء مؤسساتها وعلاقاتها الخارجية. ولبنان، المرتبط بسوريا اقتصاديًا وأمنيًا واجتماعيًا، لا يستطيع الاستمرار في سياسة الإنكار أو الانتظار، بل يحتاج إلى رؤية واقعية تنطلق من حماية مصالحه الوطنية بعيدًا عن الشعارات والانفعالات.

في فلسطين أيضًا، يجري تحوّل تاريخي بالغ الحساسية. فالصراع لم يعد محصورًا في حدود المواجهة العسكرية التقليدية، بل بات صراعًا على الرواية، والشرعية الدولية، وشكل النظام الإقليمي ككل. هذه التحولات تفرض على لبنان إعادة قراءة موقعه ودوره، خصوصًا في ظل ملف اللاجئين الفلسطينيين، وانعكاسات أي تصعيد أو تسوية على أمنه الداخلي وتوازنه الدقيق.

في المقابل، يشهد الخليج، وتحديدًا المملكة العربية السعودية، انتقالًا نوعيًا في مفهوم الدولة والحكم. ما يقوم به ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لا يمكن اختزاله بإصلاحات اقتصادية أو اجتماعية فحسب، بل هو مشروع لإعادة بناء الدولة على أسس حديثة: دولة مؤسسات، اقتصاد منتج، انفتاح محسوب، وتحرّر نسبي من إرث الجمود السياسي والاقتصادي. هذه الرؤية الشابة، التي تتقاطع بدرجات مختلفة مع مسارات التحديث في دول عربية أخرى، تطرح سؤالًا جوهريًا على لبنان: هل يمكن لبلد محكوم بهياكل سياسية موروثة من الحرب الأهلية، وبنظام زبائني طائفي، أن يتكامل مع هذا المسار الإقليمي الجديد؟

المشكلة في لبنان ليست فقط في الأزمات المالية أو في غياب الدعم الخارجي، بل في طبيعة النظام نفسه. هيكلية الحكم القائمة على المحاصصة الطائفية وإعادة إنتاج النخب ذاتها لم تعد قابلة للحياة في محيط يتجه نحو البراغماتية، والحوكمة، وربط السياسة بالتنمية. لا يمكن للبنان أن يطلب الاستثمار أو الدعم أو الشراكات الاستراتيجية، فيما لا يزال يُدار بعقلية التسويات المؤقتة و«تدوير الزوايا».

من هنا، تصبح الحاجة إلى استراتيجية حضارية شاملة ضرورة وجودية لا خيارًا فكريًا. استراتيجية تعيد تعريف دور الدولة، وتفصل بين الدين والسياسة من حيث الممارسة لا النصوص، وتعتمد الكفاءة معيارًا للحكم، وتربط السياسة الخارجية بالمصلحة الوطنية لا بالمحاور. هذه الاستراتيجية لا تعني القطيعة مع الماضي، لكنها تعني تجاوز أعطاله، والانتقال من دولة تُدار بالأزمات إلى دولة تُدار بالرؤية.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن يبقى أسير هيكلية قديمة لم تعد قادرة على التفاعل مع محيطها، وإما أن يلتقط لحظة التحوّل الإقليمي ويعيد تموضعه كدولة صغيرة لكن ذكية، قادرة على التكيّف والاستفادة من التغيّرات بدل أن تكون ضحيتها. فالنجاح في المرحلة المقبلة لن يأتي من الخارج وحده، لكنه بالتأكيد لن يأتي من الداخل إذا بقي هذا الداخل مغلقًا على نفسه، ومنفصلًا عن حركة التاريخ في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى