خالد الجراح : زيارة بن سلمان إلى واشنطن: استعادة الدور وصناعة التوازنات… وانعكاسات إقليمية واسعة
كتب د. خالد علي الجراح
شكّلت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن محطة سياسية مفصلية في لحظة إقليمية متشابكة، حيث تتقاطع أزمات فلسطين ولبنان وسوريا واليمن والعراق عند نقطة واحدة: غياب التوازنات وتمدّد الفوضى. وفي هذه اللحظة تحديدًا، برزت الحاجة الدولية والإقليمية إلى لاعب يمتلك القدرة على التأثير، والأهمّ القدرة على المبادرة.
وقدّمت الزيارة إشارة شبه حاسمة بأنّ السعودية تعود كركيزة سياسية لا يمكن تجاوزها في هندسة مستقبل الشرق الأوسط، إلى جانب ثقلها الاقتصادي. كما فتحت الباب أمام مسارات تفاوضية جديدة، من ملفات التطبيع إلى مشروع حل الدولتين، بما يحفظ المصالح العربية ويعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية.
أولًا: فلسطين… عودة الوزن السياسي السعودي
أعادت الرياض تثبيت موقفها بأنّ لا تطبيع بلا مسار سياسي جدي للفلسطينيين، وهي رسالة عزّزت أوراق الضغط العربية في لحظة يفتقد فيها الفلسطينيون إلى سند إقليمي واضح.
هذا الموقف لا يأتي كشعار، بل كجزء من دور تفاوضي قادر على الدفع نحو وقف النار، وتثبيت هدنة طويلة، وفتح مسارات تفاهمات أوسع قد تغيّر قواعد الاشتباك الدبلوماسي في المنطقة.
ثانيًا: لبنان… الاستقرار مرهون بالرافعة السعودية
يدفع لبنان ثمن فراغاته السياسية والاقتصادية وتراجع الاهتمام الدولي والعربي به. ومن هنا، تبدو عودة التنسيق السعودي–الأميركي فرصة لإعادة وضع الملف اللبناني على الطاولة الدولية من جديد.
وتتجه الأنظار إلى حديث يدور عن زيارة محتملة لوفد من “الثنائي الشيعي” إلى الرياض، في إشارة إلى محاولة فتح صفحة جديدة بعد سنوات من التوتر، وربما لبحث صيغة دعم مشروط بإصلاحات وبإعادة انتظام العمل المؤسساتي. وتمهيد لعودة الشيعية السياسية الى الحضن العربي، والانتهاء من مفهوم ان تكون ايران هي العمق والحامي للشيعة في الوطن العربي.
ثالثًا: سوريا… مقاربة «الخطوات المتبادلة»
تتقدّم الرياض بحذر على خط العلاقة مع دمشق، تحت سقف مقاربة جديدة عنوانها: خطوة مقابل خطوة، بدل سياسة العزلة.
رغم تعقيد المشهد وتعدد اللاعبين، باتت السعودية قادرة على التأثير في ملفات إعادة الإعمار، وفتح قنوات تخفف من الانسداد السياسي، مستفيدة من حاجة النظام السوري إلى منافذ اقتصادية وسياسية.
رابعًا: اليمن… نافذة لإنهاء أطول حروب المنطقة
يُعتبر اليمن أحد أكثر الملفات التي تمتلك السعودية قدرة مباشرة على التأثير فيها. فالهدنة غير المعلنة مستمرة، وواشنطن تدعم المسار السياسي.
وقد منحت الزيارة دفعًا إضافيًا لفرص التوصل إلى اتفاق سياسي أكثر ثباتًا، إذا ما توافرت ضمانات إقليمية وتفاهمات مع حلفاء طهران، بما يمهّد لإنهاء حرب استنزفت الجميع.
خامسًا: العراق… مساحة توازن بين الرياض وطهران
يعيش العراق حالة توازن حسّاسة بين النفوذين السعودي والإيراني، لكن من دون صدام مباشر. ومع استعادة الدفء في العلاقات السعودية–الأميركية، يُفتح الباب أمام بغداد لاستقطاب استثمارات عربية أوسع، وتعزيز استقلالية قرارها الاقتصادي، ما يخفف من حدّة التموضع الإقليمي الذي عاشته لسنوات.
في الختام..
إنّ زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن ليست مجرد محطة بروتوكولية، بل إعلان واضح عن عودة السعودية لاعبًا رئيسيًا في صياغة التوازنات الإقليمية.
وفي منطقة يتكرر فيها الفراغ السياسي وتتمدد فيها الأزمات، تبدو العودة السعودية عامل توازن لا غنى عنه، وربما الفرصة الأخيرة لوقف الانهيارات وفتح باب التسويات الممكنة، استنادًا إلى قوة اقتصادية صلبة وشراكات دولية متجددة ودور سياسي يعود بثبات.




