خبر عاجلسياسةمقالات

“حركة أمل بين العقوبات الأميركية وإعادة تشكيل التوازنات الشيعية والإقليمية و العدوان على لبنان” – محمد المشهداني

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

“حركة أمل بين العقوبات الأميركية وإعادة تشكيل التوازنات الشيعية والإقليمية و العدوان على لبنان” – محمد المشهداني

 

 

محمد المشهداني _ مناشير

منذ أندلاع الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان عادت الأسئلة القديمة لتطفو بقوة على سطح المشهد اللبناني و ما هو موقع حركة أمل داخل معادلة الصراع؟. وهل ما تتعرض له بعض قياداتها من عقوبات أميركية يدخل في إطار العدوان على لبنان و أستهداف الشريان السياسي الشيعي أم أنه جزء من هندسة سياسية أوسع تستهدف إعادة تشكيل البيئة الشيعية اللبنانية برمتها وتطويق

محور المقاومة عبر الأدوات المالية و السيادية

و الأقتصادية؟.

إن قراءة المشهد اللبناني اليوم لا يمكن أن تتم بمنطق الحدث المعزول لأن لبنان لم يعد مجرد ساحة داخلية إنه نقطة تماس جيوسياسية بين مشاريع دولية وإقليمية كبرى يبدأ من المشروع الأميركي في شرق المتوسط و المشروع الإسرائيلي الأمني و المحور المقاوم _ الإيراني و الحسابات الخليجية و المصالح الأوروبية المرتبطة في الطاقة والهجرة والأستقرار الحدودي.

 

وفي قلب هذه العاصفة تقف حركة أمل بأعتبارها أحد الأعمدة التأريخية للطائفة الشيعية في لبنان وشريكا أساسيا في الثنائية الشيعية مع حزب الله لكنها في الوقت نفسه تختلف عنه في البنية والخطاب والأدوات والعلاقات الإقليمية حيث من حركة المحرومين إلى شريك الدولة و لفهم الأستهداف السياسي والعقوبات والضغوط الحالية يجب العودة إلى الجذور التأريخية لحركة أمل التي

تأسست على يد الإمام السيد موسى الصدر في عقد السبعينيات القرن الماضي بوصفها تعبيرا عن تهميش الشيعة اللبنانيين إقتصاديا وسياسيا و لم تكن حركة أمل في بداياتها مجرد تنظيم عسكري أو حزبي بل مشروعا أجتماعيا لهوية سياسية جديدة أرادت إدخال الشيعة إلى الدولة اللبنانية من باب الشراكة لا العزلة و بعد أختفاء الإمام الصدر في

ليبيا العام 1978. دخلت حركة أمل في مرحلة جديدة أكثر تعقيدا و خصوصا خلال الحرب الأهلية اللبنانية و الأجتياح الإسرائيلي العام 1982. ولاحقا ومع صعود حزب الله تراجع الدور الميداني لحركة أمل نسبيا و لكنها أحتفظت في نفوذها العميق داخل مؤسسات الدولة والإدارة و البرلمان ومع وصول الأستاذ نبيه بري إلى منصب رئاسة البرلمان وتحوله إلى أحد أطول رؤساء البرلمانات بقاء في العالم أصبحت حركة أمل تمثل ما يمكن تسميته الشيعية المؤسساتية أي الشيعة المنخرطين في بنية النظام اللبناني التقليدي و لا ليس فقط في مشروع المقاومة المسلحة.

 

وهنا تحديدا يكمن جوهر الإشكالية حيث لماذا تستهدف أميركا بعض قيادات حركة أمل؟.

 

العقوبات الأميركية التي طالت شخصيات مرتبطة في حركة أمل لم تكن مجرد إجراءات تقنية إنها رسالة سياسية متعددة الطبقات فإن الولايات المتحدة الأميركية جيد تدرك أن البيئة الشيعية اللبنانية ليست جناح واحد وأن هناك تمايزا بين جناح الدولة الذي تمثله حركة أمل وبين جناح المقاومة العسكرية الذي يمثله حزب الله و لكن أميركا تعتبر أن أي غطاء سياسي أو مؤسساتي لحزب الله هو جزء من منظومة النفوذ الإيراني المقاوم و من هنا جاءت العقوبات كأداة ضغط ناعمة تهدف إلى تفكيك الغطاء السياسي للمقاومة فإن العقوبات لا تستهدف المال فقط بل الشرعية السياسية أيضا عندما يصنف مسؤولون أو رجال أعمال أو شخصيات مرتبطة في حركة أمل ضمن لوائح العقوبات يصبح التعامل معهم دوليا أكثر صعوبة و يدفع لبنان تدريجيا إلى الأنقسام بين مقبول أميركيا ومعاقب أميركيا.

تعمل حركة أمل جيد في إعادة هندسة البيئة الشيعية وهنا أميركا تدرك أن المواجهة العسكرية المباشرة مع البيئة الشيعية أثبتت محدوديتها لذلك أنتقلت إلى أدوات التفكيك الأقتصادي والأجتماعي والنفسي عبر خلق تباينات داخلية وإضعاف الطبقة السياسية التقليدية و ربط الأزمة الأقتصادية في السلاح حيث أن الخطاب الأميركي والغربي يكرر في إستمرار أن لبنان لن ينهض إقتصاديا ما دام حزب الله أو الثنائي الوطني يمتلك سلاحا وأن حلفاءه داخل الدولة وأولهم هي حركة أمل يحمون هذا الواقع وهكذا تتحول العقوبات إلى جزء من إستراتيجية أبتزاز أقتصاديا أوسع.

وأن العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى في المنطقة بعد حرب قطاع غزة و إسرائيل لم تعد تنظر إلى لبنان كجبهة منفصلة بل كأمتداد مباشر للبنية العسكرية لمحور تقوده إيران من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت و صنعاء و لذلك فإن أي مواجهة مع حزب الله تعني تلقائيا أستهداف البنية السياسية والأجتماعية الحاضنة له بما فيها حركة أمل و لكن المفارقة أن إسرائيل تدرك أيضا أن ضرب حركة أمل في الكامل يحمل مخاطر إستراتيجية فإن حركة أمل و رغم تحالفها مع حزب الله ما تزال تمثل جسرا بين الدولة اللبنانية والمنظومة الشيعية المسلحة وإذا تم تدمير هذا الجسر فقد يتحول المشهد اللبناني إلى حالة أكثر راديكالية وأقل قابلية للاحتواء السياسي و

لهذا نلاحظ أن الأستهداف الإسرائيلي والأميركي غالبا ما يكون مدروسا عبر الضغط الأقتصادي و السياسي الشديد و التشويه الإعلامي و العقوبات الأنتقائية و الأستنزاف المالي و لكن دون الذهاب إلى تفجير كامل للبنية الشيعية الداخلية.

 

 

هل أصبحت حركة أمل رهينة تحالفها مع حزب الله؟

و هذا السؤال يطرح بقوة داخل لبنان و حتى داخل بعض الأوساط الشيعية نفسها.

 

هناك من يرى أن حركة أمل فقدت أستقلاليتها السياسية تدريجيا وأنها باتت تدور ضمن المدار الإستراتيجي لحزب الله و ما جعلها تتحمل أثمان المشروع الإقليمي الذي يتجاوز طبيعة دورها التقليدي و في المقابل يرى آخرون أن التحالف بين الطرفين ليس مجرد خيار سياسي بل ضرورة وجودية فرضتها التجربة التأريخية مع إسرائيل من ناحية التوازنات الطائفية و هشاشة الدولة والتدخلات الخارجية وبحسب هذا المنطق فإن أي محاولة لفصل حركة أمل عن حزب الله ليست سوى محاولة لضرب القوة السياسية للطائفة الشيعية وإعادتها إلى حالة الأنقسامات التي سادت في عقد الثمانينيات.

وأن فرض العقوبات الأميركية كسلاح جيوسياسي جديد في العقود السابقة كانت الحروب تخاض في الدبابات والطائرات و أما اليوم فإن العقوبات أصبحت شكلا من أشكال الحرب الحديثة و الولايات المتحدة الأميركية تستخدم النظام المالي العالمي باعتباره أداة سيطرة إستراتيجية فعندما تفرض العقوبات على القيادات أو المؤسسات يتم عزلها مصرفيا و تجفيف مصادر تمويلها و تخويف المتعاملين معها و تحويلها إلى عبء داخلي و لكن التجربة أثبتت أيضا أن العقوبات لا تؤدي دائما إلى الأنهيار السياسي ففي الحالات الكثيرة تدفع المجتمعات المستهدفة إلى مزيد من التماسك والهويات المغلقة خصوصا عندما تشعر أن الأستهداف الجماعي لا فردي وهذا ما حدث نسبيا داخل البيئة الشيعية اللبنانية حيث تقرأ العقوبات غالبا باعتبارها جزءا من الحرب على المقاومة و لا مجرد مكافحة فساد.

 

و الحقيقة الأعمق أن لبنان يعيش اليوم صراع مشروعين المشروع الأول يريد لبنان مندمجا بالكامل في المنظومة الغربية و الخليجية _ العربية منزوع السلاح خارج الدولة و مفتوحا إقتصاديا وفق الشروط الدولية.

 

و أما المشروع الثاني يرى أن لبنان لا يستطيع حماية نفسه دون قوة ردع عسكرية خارج المعادلات التقليدية وأن إسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة وأن أي تفكيك لسلاح المقاومة سيحول لبنان إلى ساحة أبتزاز دائم وفي هذا الأشتباك تقف حركة أمل في موقع بالغ الحساسية فهي جزء من الدولة وجزء من محور المقاومة وحليف تقليدي لسوريا سابقا و لكنها أيضا مضطرة للتعامل مع التوازنات الداخلية و الدولية المعقدة و أن مستقبل حركة أمل بعد الحرب والعقوبات هو التحدي الأكبر أمام حركة أمل ليس فقط في مواجهة العقوبات أو العدوان بل الإجابة عن سؤال المستقبل.

هل تستطيع تجديد خطابها السياسي؟ و هل تملك مشروعا إقتصاديا و إجتماعيا حقيقيا للشيعة في لبنان ؟. و هل يمكنها الحفاظ على دورها التأريخي كوسيط بين الدولة والمقاومة؟. أم أنها ستتحول تدريجيا إلى جزء من بنية تقليدية منهكة يستهلكها الأنهيار اللبناني العام؟

السنوات المقبلة ستكون حاسمة.

فإن لبنان يدخل مرحلة إعادة تشكيل كبرى منها إقتصاديا بعد الأنهيار المالي و الديموغرافي بعد الهجرة و سياسيا بعد تراجع الثقة في النظام

وإقليميا مع التحولات الجارية بين إيران والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل والمحيط العربي و في ظل هذه التحولات لن يكون ممكنا لأي قوة لبنانية بما فيها حركة أمل أن تستمر في المنطق القديم نفسه.

العدوان على لبنان والعقوبات الأميركية على بعض قيادات حركة أمل ليسا حدثين منفصلين بل وجهان لمعركة أكبر تدور على هوية لبنان وموقعه في الشرق الأوسط حيث إنها معركة النفوذ والسيادة والسلاح و الأقتصاد والتمثيل الطائفي و هي معركة إعادة رسم الشرق الأوسط بعد عقود من الحروب والأنهيارات وفي قلب هذه العاصفة تقف حركة أمل أمام أمتحان تأريخي.

و هل تبقى مجرد قوة تحمي التوازنات القائمة؟ أم تتحول إلى مشروع سياسي متجدد قادر على التكيف مع مشهد إقليمي جديد شديد القسوة والتعقيد؟

الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل حركة أمل وحدها بل ربما تحدد جزءا مهما من مستقبل لبنان نفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى