خبر عاجلمحليات

حرب الجنوب تعيد رسم خريطة الزيتون في لبنان… البقاع أمام تحدّي التعويض وتنكة الزيت تلامس 150 دولارًا

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

حرب الجنوب تعيد رسم خريطة الزيتون في لبنان… البقاع أمام تحدّي التعويض وتنكة الزيت تلامس 150 دولارًا

 

 

مناشير

 

لا تقتصر تداعيات الحرب في جنوب لبنان على الأضرار المباشرة التي تطال الأراضي الزراعية والأشجار، بل تمتد إلى مستقبل الإنتاج الزراعي وتوازن الأسواق، وفي مقدّمها قطاع الزيتون الذي يشكّل مصدر رزق لآلاف العائلات اللبنانية. فمع تعذّر وصول عدد من المزارعين إلى بساتينهم في الجنوب، وتراجع المساحات القابلة للاستثمار، تتجه الأنظار نحو البقاع، حيث يحاول مزارعون التوسّع في زراعة الزيتون، في مسعى لتعويض جزء من الخسائر، وإن كان هذا الخيار يحتاج إلى سنوات قبل أن يتحوّل إلى إنتاج فعلي قادر على سدّ الفجوة.

 

وفي موازاة هذه التحوّلات، تلوح زيادة جديدة في أسعار زيت الزيتون، مع توقعات بوصول سعر التنكة إلى نحو 150 دولارًا، مقارنةً بـ100 إلى 110 دولارات في الموسم الماضي، في ظل ارتفاع تكاليف القطاف والعصر والعناية بالأشجار، إلى جانب القيود الأمنية التي تعرقل استثمار مساحات واسعة من الأراضي الجنوبية.

 

الجنوب يخسر فرصة الموسم

يؤكد رئيس الاتحاد الوطني للفلاحين اللبنانيين إبراهيم الترشيشي، في حديث إلى «نداء الوطن»، أن موسم الزيتون يواجه هذا العام تحديات استثنائية، في مقدّمها تداعيات الحرب على المناطق الجنوبية التي تمثّل، بحسب تقديراته، نحو 30% من إجمالي إنتاج الزيتون في لبنان.

 

ويشير الترشيشي إلى أن أكثر من 50% من إنتاج الجنوب بات معطّلًا، إما بسبب الحرب المباشرة، وإما نتيجة عدم قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم وقطاف ثمار أشجارهم في الوقت المناسب.

 

وتكمن خطورة هذه الأزمة في طبيعة الموسم نفسه؛ فالزيتون محصول مرتبط بمواعيد قطاف لا يمكن تأجيلها إلى أجل غير معلوم من دون تكبّد خسائر. وبالتالي، فإن الأرض التي يتعذّر الوصول إليها لا تعني فقط إنتاجًا مؤجّلًا، بل محصولًا مهدّدًا بالضياع ومصدر دخل قد يُحرم منه المزارع خلال عام كامل.

 

ولا تتوافر، حتى الآن، أرقام دقيقة ونهائية تحدّد حجم الخسائر الفعلية في المساحات المتضررة أو كميات الزيتون التي تعذّر قطافها. لكن استمرار القيود الأمنية يضع جزءًا من الإنتاج الجنوبي أمام مخاطر جدية، في وقت تتزايد فيه الأعباء التي يتحمّلها القطاع الزراعي.

 

البقاع يبحث عن فرصة لتعويض الخسائر

في مواجهة هذا الواقع، يبرز التوسّع في زراعة الزيتون في البقاع بوصفه أحد الخيارات المطروحة لتعزيز الإنتاج الوطني والحدّ من الاعتماد على المساحات التي تعطّل استثمارها في الجنوب.

 

ويكشف الترشيشي أن مزارعين بقاعيين يحاولون استحداث مساحات جديدة لزراعة الزيتون، في محاولة لتعويض جزء من الإنتاج المفقود أو المتعذّر الوصول إليه. إلا أن هذه الخطوة، على أهميتها، لا تقدّم حلًا سريعًا للأزمة؛ فزراعة الأشجار تحتاج إلى وقت كي تدخل مرحلة الإنتاج، كما أن مردودها يرتبط بطبيعة الأرض والظروف المناخية وتكاليف الرعاية والري والخدمة الزراعية.

 

ومن هنا، فإن التوسّع البقاعي لا يمكن أن يُقرأ بوصفه بديلًا فوريًا من الإنتاج الجنوبي، بل مسارًا طويل الأمد لتعزيز القدرة الإنتاجية وتنويع المناطق التي تسهم في تأمين حاجة السوق.

 

كما أن نجاح هذا التوجّه يحتاج إلى رؤية زراعية متكاملة، لا تقتصر على زيادة المساحات المزروعة، بل تشمل اختيار الأراضي المناسبة، وتوفير الإرشاد الزراعي، وتحسين خدمات العصر والتخزين والتعبئة، وفتح أسواق إضافية أمام المنتج اللبناني.

 

فالتحدّي لا يتمثّل في زراعة المزيد من الأشجار فحسب، بل في بناء سلسلة إنتاج متكاملة تضمن للمزارع مردودًا اقتصاديًا مستدامًا، وتمنح المنتج اللبناني قدرة أكبر على مواجهة الأزمات الأمنية والمناخية والتجارية.

 

تنكة الزيت نحو 150 دولارًا

على مستوى الأسعار، يتوقع الترشيشي أن يبلغ سعر تنكة زيت الزيتون نحو 150 دولارًا هذا الموسم، بعدما تراوح في العام الماضي بين 100 و110 دولارات.

 

وتعود هذه الزيادة، وفق تقديراته، إلى تراجع المساحات المستثمرة وارتفاع تكاليف الإنتاج، من أجور القطاف إلى كلفة العصر والعناية بالأشجار وخدمة الأراضي.

 

ولا تنفصل هذه العوامل عن التداعيات الأمنية؛ فتعطّل استثمار أجزاء من الأراضي الجنوبية يحدّ من الاستفادة من المحصول، فيما تستمر تكاليف الإنتاج في الارتفاع. ويؤدي اجتماع هذه الضغوط إلى زيادة العبء على المزارع، الذي يجد نفسه أمام معادلة صعبة بين ارتفاع المصاريف وتقلّص فرص الإنتاج والتسويق.

 

لكن السعر المتوقع يبقى تقديرًا للموسم، وليس سعرًا موحّدًا أو نهائيًا في جميع الأسواق، إذ يمكن أن تختلف الأسعار تبعًا لجودة الزيت ومصدره وتكاليف إنتاجه وبيعه.

 

وفي حال استقرّت الأسعار عند المستويات المتوقعة، فإن زيت الزيتون قد يتحوّل إلى عبء إضافي على الأسر اللبنانية، فيما لا تعني زيادة السعر بالضرورة تحسّن أوضاع المزارعين، لأن ارتفاع كلفة الإنتاج قد يلتهم جزءًا كبيرًا من العائدات.

 

الإنتاج متوافر… لكن التصدير ليس سهلًا

ورغم التحديات التي تواجه الموسم، يؤكد الترشيشي أن الإنتاج، بصورة عامة، لا يزال مقبولًا، وأن الكميات المتوافرة تتجاوز حاجة الاستهلاك المحلي، بما يسمح بتصدير جزء منها إلى الخارج.

 

غير أن القدرة على التصدير لا ترتبط بالكميات وحدها، بل تتأثر أيضًا بكلفة الإنتاج والنقل، وشروط دخول الأسواق الخارجية، والقدرة على المنافسة. لذلك، فإن وجود فائض نسبي لا يضمن تلقائيًا تصريفه بأسعار مناسبة أو تحقيق عائد كافٍ للمزارعين.

 

ويحذّر الترشيشي كذلك من تداعيات تهريب زيت الزيتون والزيتون من الخارج، داعيًا إلى حماية الإنتاج اللبناني من المنافسة غير المشروعة، وتنظيم السوق بما يراعي حجم الطلب وقدرة المنتج المحلي على التصريف.

 

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في موسم ترتفع فيه الكلفة على المنتج اللبناني؛ إذ إن دخول منتجات مهرّبة إلى السوق، إذا جرى بيعها خارج الأطر القانونية والرقابية، قد يفاقم الضغوط على المزارعين ويضعف قدرتهم على المنافسة.

 

المناخ يساعد… والحرب تعرقل

وعلى الرغم من الظروف الأمنية الصعبة، فإن المعطيات المناخية كانت مؤاتية نسبيًا، بحسب الترشيشي، الذي يشير إلى أن الأمطار والظروف المناخية أسهمت في إفادة الأشجار عمومًا.

 

إلا أن تحسّن الظروف الزراعية لا يكفي وحده لإنقاذ الموسم. فالمحصول يحتاج إلى القطاف في الوقت المناسب، ثم إلى العصر والتخزين والتسويق، وهي مراحل تتعذّر الاستفادة منها بالكامل عندما يُحرم المزارع من الوصول إلى أرضه.

 

وهنا تتضح المفارقة التي يعيشها القطاع: ظروف مناخية تسمح بالاستفادة من الأشجار، في مقابل ظروف أمنية قد تحول دون جني ثمارها. وبين العاملين، تبقى قدرة المزارع على الوصول إلى أرضه العامل الحاسم في تحويل الموسم من فرصة إنتاجية إلى خسارة فعلية.

 

حماية الأرض قبل البحث عن البدائل

إن التوسّع في زراعة الزيتون في البقاع قد يشكّل خطوة مهمة لتعزيز الإنتاج الوطني على المدى الطويل، لكنه لا يعوّض تلقائيًا عن خسارة المساحات الجنوبية أو تعطّلها. فالزيتون ليس محصولًا يمكن نقل إنتاجه من منطقة إلى أخرى خلال موسم واحد، كما أن الأشجار الجديدة تحتاج إلى وقت ورعاية واستثمارات قبل أن تصبح مصدرًا منتظمًا للإنتاج.

 

لذلك، تبقى الأولوية مزدوجة: تمكين المزارعين في الجنوب من الوصول الآمن إلى بساتينهم وقطاف محاصيلهم متى سمحت الظروف، بالتوازي مع دعم التوسّع الزراعي المدروس في البقاع وسائر المناطق الملائمة.

 

وتشمل هذه الأولويات أيضًا تخفيف أعباء الإنتاج، وتطوير قدرات العصر والتخزين والتعبئة، وتعزيز الرقابة على الاستيراد والتهريب، وفتح أسواق جديدة أمام الزيت اللبناني.

 

فالمطلوب ليس المفاضلة بين الجنوب والبقاع، بل حماية الإنتاج الوطني في مختلف مناطقه، ومنع تحوّل الأزمة الأمنية إلى تراجع طويل الأمد في القدرة الزراعية.

 

بين بساتين الجنوب المهدّدة بتعذّر القطاف، والأراضي البقاعية التي تحاول استيعاب توسّع جديد، يقف قطاع الزيتون أمام اختبار يتجاوز موسمًا واحدًا. فالسؤال لم يعد محصورًا بكمية الزيت المتوافرة هذا العام أو بسعر التنكة، بل بقدرة لبنان على حماية أرضه الزراعية وضمان استمرارية الإنتاج، حتى لا تتحوّل خسائر اليوم إلى نقص في المحصول وارتفاع إضافي في الكلفة خلال المواسم المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى