خبر عاجلسياسة

جنوب لبنان بين الردع والانفجار: توازن هش ومعادلات متداخلة – وائل ياسين

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

جنوب لبنان بين الردع والانفجار: توازن هش ومعادلات متداخلة – وائل ياسين

وائل خليل ياسين

يشهد جنوب لبنان مرحلة شديدة الحساسية تتقاطع فيها الجهود الدبلوماسية مع التصعيد الميداني في مشهد يعكس تعقيد الصراع القائم على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية. فبينما تتواصل المحاولات الأميركية لاحتواء التوتر عبر مسار تفاوضي نشط في واشنطن، لا تزال الوقائع الميدانية تشير إلى أن المنطقة لم تغادر بعد دائرة المخاطر، رغم الحديث المتزايد عن تفاهمات لخفض التصعيد ووقف إطلاق النار.

 

 

 

خلال الأيام الأخيرة، برزت مؤشرات سياسية جديدة أعادت الملف اللبناني إلى واجهة الاهتمام الدولي، إلا أن استمرار الاحتكاكات والضربات المحدودة أظهر أن الهدوء لا يزال هشاً وأن التفاهمات المطروحة لم تتحول بعد إلى تسوية مستقرة. وفي ظل هذا الواقع، يبدو جنوب لبنان عالقاً بين مسارين متوازيين: مسار دبلوماسي يسعى إلى منع الانفجار، ومسار ميداني لا يزال محكوماً بحسابات الردع والضغط المتبادل.

 

 

 

هذا المشهد نتاج تفاعل معقد بين حسابات حزب الله من جهة، والاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية من جهة أخرى، ضمن سياق إقليمي أوسع يتصدره الدور الإيراني، ما يجعل الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة على احتمالات متعددة تتراوح بين تثبيت التهدئة واستمرار إدارة الأزمة، أو العودة إلى دوامة التصعيد، إذا ما تعثرت الجهود السياسية الجارية.

 

 

 

حزب الله: ردع محسوب وتجنّب لحرب قد تغيّر موقعه

 

يتحرك حزب الله ضمن معادلة دقيقة تقوم على الجمع بين إظهار القوة وتجنّب الانزلاق إلى حرب شاملة.

 

فمن جهة، يسعى إلى الحفاظ على صورته كقوة ردع ومقاومة فاعلة في مواجهة إسرائيل، خصوصاً في ظل التصعيد الإقليمي. ومن جهة أخرى، يدرك أن أي حرب واسعة في جنوب لبنان ستؤدي إلى دمار كبير على المستويات العسكرية والبشرية والاقتصادية، في بلد يعاني أصلاً من أزمة عميقة.

 

لكن حساباته لا تتوقف عند الخسائر المباشرة، إذ يدرك أن حرباً شاملة قد تتحول إلى محاولة لإعادة تشكيل وضعه الاستراتيجي بالكامل، عبر:

 

-استهداف واسع لبنيته العسكرية وقياداته.

 

-اختلال كبير في توازن القوة على الأرض.

 

– انعكاسات سياسية داخلية قد تؤثر على موقعه داخل الدولة اللبنانية.

 

كما أن مجرد احتمال التعرّض لضربة قاسية تُضعف قدراته بشكل كبير أو تُحدث تحولاً في موقعه السياسي يشكّل عاملاً رادعاً أساسياً في حساباته.

 

لذلك يعتمد الحزب نمطاً واضحاً يقوم على: ردود عسكرية محسوبة، تصعيد تدريجي مضبوط وتجنّب خطوات قد تفرض حرباً شاملة.

 

كما أن قراره يرتبط عضوياً بمحور إقليمي تقوده إيران، ما يجعل مستوى التصعيد متأثراً بتطورات غزة وسوريا والعلاقات الدولية.

 

 

 

إسرائيل: تغيير الواقع الأمني مع هاجس الاستنزاف

 

ترى إسرائيل أن الوضع على حدودها الشمالية لم يعد قابلاً للإدارة بالشكل الحالي، وتسعى إلى تغييره جذرياً. ومن أهدافها: إبعاد حزب الله عن الحدود، تقليص قدراته القريبة ومنع تهديد مفاجئ من الجنوب اللبناني.

 

وتعتمد لتحقيق ذلك على: ضغط عسكري مستمر، ضربات نوعية مركزة وإبقاء خيار الحرب الشاملة قائماً كأداة ردع. لكن في المقابل، تدرك إسرائيل أن الحرب الشاملة قد تتحول إلى: حرب استنزاف طويلة، استهداف مباشر للجبهة الداخلية، كلفة اقتصادية وسياسية مرتفعة وعدم ضمان تحقيق حسم نهائي. وهذا يخلق معادلة دقيقة: الرغبة في تغيير الواقع مقابل الخوف من الانزلاق إلى حرب غير محسومة النتائج.

 

 

 

الدولة اللبنانية: احتواء دون أدوات حاسمة

 

تقف الدولة في لبنان في موقع بالغ الحساسية، فهي مسؤولة رسمياً عن السيادة، لكنها لا تمتلك السيطرة الكاملة على القرار الأمني والسياسي. لذلك يتركز دورها على: منع الانزلاق إلى حرب شاملة، الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي والتمسك بالقرار الدولي 1701.

 

لكن هذا الدور يبقى محدوداً بسبب الانقسام السياسي الداخلي، الأزمة الاقتصادية العميقة وتداخل القرار الأمني مع قوى غير حكومية. وبالتالي تتحول الدولة إلى طرف يدير الأزمة أكثر مما يملك القدرة على حلّها.

 

 

 

المفاوضات: مسار أميركي في واشنطن ضمن إدارة الصراع

 

بخلاف ما كان سائداً سابقاً، لم يعد المسار الدبلوماسي محصوراً بالوساطات غير المباشرة، بل تطوّر إلى مسار تفاوضي أكثر تنظيماً في واشنطن برعاية الولايات المتحدة الأمريكية.

 

هذا المسار يقوم على جولات من الاجتماعات بين أطراف لبنانية وإسرائيلية، بمشاركة دبلوماسيين ومسؤولين أمنيين، بهدف ضبط التصعيد ومحاولة بناء إطار استقرار حدودي.

 

تركّز هذه النقاشات على: تثبيت وقف التصعيد ومنع توسع الاشتباك، إعادة تنظيم قواعد الاشتباك جنوب لبنان، بحث ترتيبات أمنية مرتبطة بالحدود وتطوير تطبيق القرار 1701 بصيغ أكثر فاعلية.

 

لكن رغم هذا التطور، يبقى هذا المسار غير مكتمل البنية، وغير قادر على إنتاج تسوية نهائية، ومنفصلاً عن الفاعل العسكري الأساسي على الأرض، أي إنه لا يغيّر جوهر المعادلة، بل يحاول إدارتها ضمن حدود تمنع الانفجار الكامل.

 

 

 

معادلة التوازن غير المعلن: الاستقرار عبر التوتر

 

تقوم الحالة الحالية على مفارقة أساسية: كلا الطرفين لا يريد الحرب الشاملة، لكن كلاً منهما لا يستطيع الوصول إلى تسوية مستقرة بشروطه.

 

لكن هناك قراءة تحليلية أكثر عمقاً ترى أن استمرار حالة عدم الاستقرار ليس مجرد فشل تفاوضي، بل جزء من توازن غير مباشر قائم بذاته.

 

في هذا التصور، تطرح قراءات جديدة جوهرها مبني على أن إسرائيل لا تتجه بالضرورة إلى إنهاء حزب الله، بقدر ما تعمل على إبقائه كأداة عدم استقرار في لبنان وإبقائه في حالة استنزاف وضبط دائم، بما يمنع تحوله إلى قوة مستقرة قادرة على فرض بيئة أمنية هادئة في لبنان. ومن هذا المنظور، قد يخدم استمرار التوتر في جنوب لبنان أهدافاً استراتيجية أوسع، من بينها: إبقاء لبنان، والجنوب خاصة، منطقة أمنية غير مستقرة نسبياً، منع تحول لبنان إلى فضاء تنموي مستقر قد يعزز قوة الدولة اللبنانية على المدى الطويل، ويجعل لبنان منافساً استراتيجياً لإسرائيل في المستقبل، وتبرير ترتيبات أمنية وعسكرية على الحدود تحت عنوان “حماية أمن الشمال”.

 

وفي المقابل، تُطرح قراءة موازية داخل بيئة حزب الله، مفادها أن استمرار وجود احتلال إسرائيلي لأجزاء من الجنوب، وإبقاء حالة التهديد الإسرائيلية عبر استمرار الاحتكاك العسكري عند الحدود، يشكل عاملاً محورياً في تثبيت خطاب المقاومة. في هذا السياق، يُنظر إلى استمرار حالة التوتر أو نقاط الاحتكاك الأمنية على أنها عنصر يبرر استمرار سلاح الحزب بوصفه أداة ردع، ما يؤخر عملية حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وسيلة لتعزيز موقعه السياسي داخل لبنان وأداة للحفاظ على حضوره الفاعل في معادلات الإقليم.

 

وبذلك، ووفق هذه القراءة الجدلية، لا تُفهم الحدود الجنوبية فقط كساحة صراع عسكري، بل كمساحة تتداخل فيها الحسابات الاستراتيجية، حيث يمكن لكل طرف، بدرجات متفاوتة، أن يجد في استمرار حالة “اللااستقرار المضبوط” ما يخدم جزءاً من أهدافه، بالرغم من اختلاف الدوافع والخطابات المعلنة.

 

 

 

معادلة الخوف المتبادل: ردع بلا حسم

 

تقوم المعادلة على خوف متبادل يضبط سقف التصعيد:

 

-حزب الله يخشى حرباً قد تُضعف قدراته بشكل كبير وتعيد تشكيل موقعه السياسي والعسكري.

 

-إسرائيل تخشى حرباً طويلة مكلفة تتحول إلى استنزاف دون حسم واضح.

 

هذا التوازن لا ينتج سلاماً، لكنه يمنع الانفجار الشامل.

 

وبذلك يكون السيناريو الأرجح نحو إدارة أزمة طويلة بينما يشير الاتجاه العام إلى:

 

-اشتباكات محدودة ومتكررة

 

-تصعيد وتهدئة متناوبين

 

– مسار دبلوماسي أمريكي مستمر دون حسم

 

– تغييرات تدريجية على الأرض

 

-استقرار هش قابل للاهتزاز

 

 

 

العامل الإقليمي: المحدد النهائي

 

يبقى الدور الإيراني والعوامل الإقليمية الأوسع هو العنصر الأكثر حسماً، إذ يمكن لأي تصعيد إقليمي أن يحول جنوب لبنان من ساحة ضبط محلي إلى جبهة مفتوحة ضمن صراع أوسع.

 

جنوب لبنان ليس ساحة حرب ولا سلام، بل نظام توازن هش يقوم على إدارة مستمرة للتوتر والردع المتبادل. وفي هذا النظام، لا تعمل الدبلوماسية على إنهاء الصراع، بل على احتوائه، ولا يعمل الهدوء على إنتاج سلام، بل على تأجيل الانفجار. فالاستقرار هنا ليس غياب الحرب، بل شكل آخر من إدارتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى