ترامب و«مجلس السلام»: انقلاب على الأمم المتّحدة

خاص مناشير
بهدوءٍ مدروس، ومن دون ضجيجٍ يوازي حجم الخطوة، سحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب الولايات المتّحدة من عضويّة عشرات الهيئات والاتفاقات والمنظّمات التابعة للأمم المتّحدة، في خطوة لا يمكن فصلها عن مشروعٍ بديل يسعى إلى تكريسه: ما يسمّيه «مجلس السلام»، برئاسته الشخصيّة.
وبخلاف ما هو شائع في التناول الإعلامي، لا يقتصر دور هذا «المجلس» على غزّة أو على رعاية تسويةٍ ما فيها. فميثاقه يذهب أبعد من ذلك بكثير، إذ ينصّ صراحة على «الابتعاد عن النهج والمؤسّسات التي فشلت مرارًا وتكرارًا»، في إشارةٍ مباشرة إلى المنظومة الأمميّة برمّتها. وهنا تحديدًا تكمن خطورة المشروع: نحن أمام انقلابٍ أبيض على الأمم المتّحدة، التي نشأت بعد الحرب العالميّة الثانية تحت عناوين منع تكرار الحروب الكبرى، وحفظ السلم والأمن الدوليين، وحماية حقوق الإنسان، ومعالجة القضايا العالميّة من فقرٍ ومناخٍ وتنمية.
اللافت أنّ ترامب يقود هذا «المجلس» بأسلوبٍ أقرب إلى أنماط الحكم الاستبداديّة منه إلى أي نموذجٍ مؤسّساتي دولي. فهو رئيس المجلس مدى الحياة، ويبقى في منصبه حتى بعد خروجه من البيت الأبيض. ولا يمكن عزله أو إنهاء ولايته إلّا في حال استقالته الطوعيّة، أو بقرار إجماعي من الدول الأعضاء، وهو شرط يكاد يكون مستحيلاً في أي إطار دولي.
الأكثر من ذلك، أنّ رئيس «مجلس السلام» هو الجهة الوحيدة المخوّلة دعوة الدول والزعماء للانضمام، وهو وحده القادر على إقالة الأعضاء قبل انتهاء ولاياتهم المحدّدة بثلاث سنوات. ومع التشكيلة التي أحاط بها نفسه — من صهره جاريد كوشنر، إلى حليفه البريطاني طوني بلير، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، والملياردير الأميركي مارك روان، إضافة إلى شبكة من الحلفاء الأميركيين — يصبح واضحًا أنّ ترامب هو من يفرض الأجندة، ويضبط مسار القرارات الكبرى، ويتحكّم بالميزانيّة السنويّة، وبآليات تشكيل لجان العمل.
وحتى في الحالات التي يُفترض أن يكون فيها تصويتٌ للدول الأعضاء، فإنّ القرارات النهائيّة تبقى مشروطة بموافقة رئيس المجلس نفسه، ما يُفرغ أي عمليّة تصويت من مضمونها الحقيقي. ولا يتوقّف الأمر هنا، إذ حدّد ترامب مسبقًا لكلّ دولة أو زعيم يرغب بالانضمام إلى «مجلس السلام» رسمًا ماليًا يبلغ مليار دولار، في سابقةٍ غير معهودة في العمل الدولي.
صحيح أنّ ميثاق «مجلس السلام» يتحدّث عن «حفظ السلام وفق القانون الدولي»، وصحيح أنّه لا ينصّ حرفيًا على إلغاء الأمم المتّحدة، لكنّ الدور الذي رسمه ترامب لنفسه يتجاوز الشراكة أو التكامل، ليصل إلى حدّ المنافسة المباشرة. وغدًا، عندما يقرّر هذا المجلس التصدّي لأزمةٍ دوليّة جديدة بعد غزّة، سيكون العالم أمام ازدواجيّة خطيرة في المرجعيّات، وتضاربٍ واضح مع مسؤوليّات الأمم المتّحدة ودورها وحضورها الذي، بكلّ ما له وما عليه، شكّل أحد أعمدة النظام الدولي طوال ثمانين عامًا.
ما يجري ليس إصلاحًا للنظام الدولي، بل إعادة تشكيله على قياس شخصٍ واحد، ورؤيةٍ واحدة، وسلطةٍ غير خاضعة لأي محاسبة حقيقيّة.



