بين خطاب الردع وخطاب الدولة في كلمة الشيخ نعيم قاسم..! – محمد المشهداني

محمد المشهداني _ مناشير
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد حيث تتداخل خطوط النار مع خطوط السياسة وتتشابك حسابات الدول مع رهانات الحركات والقوى العابرة للحدود جاءت كلمة الأمين العام لحزب الله سماحة الهمام الشيخ نعيم قاسم ليؤكد أن المنطقة لا تزال تعيش فوق فوهة بركان مفتوح و أن لبنان تحديدا يقف مرة أخرى في قلب الأشتباك التأريخي بين مشروعين مشروع الهيمنة الغربية – الإسرائيلية – الأميركية ومشروع المقاومة و التحرير الذي يرى نفسه حارسا للتوازن الإستراتيجي في الشرق الأوسط.
الكلمة لم تكن مجرد خطاب تعبوي تقليدي ولا مجرد موقف سياسي مرتبط بحدث آني أو تطور ميداني عابر بل بدت أقرب إلى إعادة تموضع سياسي وفكري وإعلامي في مرحلة حساسة يمر بها حزب الله ولبنان والمنطقة بأكملها فمن يقرأ ما بين السطور يدرك أن الخطاب يحمل ثلاث رسائل أساسية وهي رسالة إلى الداخل اللبناني ورسالة إلى الخارج الإقليمي والدولي ورسالة ثالثة إلى البيئة الحاضنة للمقاومة نفسها.
الخطاب ما بعد الزلزال الإقليمي وهنا لا يمكن فهم كلمة سماحة الشيخ نعيم قاسم بمعزل عن التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة منذ حرب قطاع غزة وما تلاها من توسع في ساحات الأشتباكات فإن المعادلات التي حكمت الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين تتعرض اليوم إلى إعادة صياغة عميقة جدا حيث أن إسرائيل التي كانت تراهن على الحسم العسكري السريع أكتشفت أن البيئة الإستراتيجية المحيطة بها لم تعد قابلة للإخضاع بسهولة فيما محور المقاومة وجد نفسه أمام أختبار وجودي يتعلق بقدرته على الأستمرار والأحتفاظ بعناصر الردع و من هنا بدأ واضحا أن خطاب سماحة الشيخ نعيم قاسم لم يكن خطاب أنتصار في المعنى الكلاسيكي بل هو خطاب تثبيت وتمسك في الثوابت في لحظة ضبابية وهذا بحد ذاته يحمل دلالة سياسية مهمة لأن القوى العقائدية حين تشعر بأن البيئة الدولية والإقليمية تضغط عليها فإنها غالبا ما تعود إلى اللغة المؤسسة لهويتها الأولى وهي الصمود و الثبات و عدم التراجع والتأكيد على شرعية المقاومة.
وفي هذا السياق فإن أستخدام مفردات مثل السيادة و الكرامة و الردع و منع الإملاءات الخارجية لم يكن أعتباطيا بل جاء ضمن محاولة واعية لإعادة تعريف الصراع في لبنان باعتباره صراعا على إستقلال القرار الوطني و لا مجرد نزاع حول السلاح أو النفوذ السياسي.
محاولة إعادة صياغة مفهوم الدولة وهي واحدة من أهم النقاط التي يمكن التقاطها في الخطاب هي أن حزب الله يحاول تدريجيا الإنتقال من موقع قوة مقاومة تعمل إلى جانب الدولة إلى موقع شريك في تعريف الدولة نفسها حيث أن هذا التحول هو بالغ الأهمية لأن حزب الله يدرك تماما
أن المرحلة المقبلة لن تكون فقط مرحلة مواجهة عسكرية مع إسرائيل بل أيضا مرحلة صراع على شكل النظام اللبناني المقبل وعلى طبيعة العلاقة بين الدولة والسلاح وبين السيادة الوطنية والمحاور الإقليمية و اللافت هنا أن الخطاب لم يقدم نفسه كخطاب إنقلاب على الدولة اللبنانية بل هو كخطاب دفاع عنها وهذه نقطة دقيقة جدا في البنية السياسية والإعلامية لحزب الله من خلال السنوات الأخيرة فإن حزب الله لم يعد يستخدم فقط لغة المقاومة المسلحة بل صار يدمجها في خطاب حماية البلد اللبناني ومنع سقوطه في الوصاية الأجنبية.
وهنا تحديدا تكمن المعركة الحقيقية في لبنان اليوم فخصوم حزب الله اليوم يرون أن السلاح خارج إطار الدولة و هو أصل الأزمة اللبنانية و بينما يرى حزب الله و حلفائه أن الدولة اللبنانية ضعيفة أصلا بسبب الأرتهان الخارجي و الأنقسام الداخلي و أن سلاح المقاومة هو الذي منع أنهيار لبنان أمام إسرائيل والضغوط الغربية.
حيث أن كلمة سماحة الشيخ نعيم قاسم جاءت لتعيد تثبيت هذه الرواية بقوة ولتقول إن أي حديث عن السيادة لا يمكن أن يكون سيادة منزوعة من عناصر القوة.
الرسالة إلى الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل و الغرب
و من الواضح أن جزءا أساسيا من الخطاب كان موجها إلى واشنطن وتل أبيب فإن المنطقة تمر اليوم في مرحلة إعادة رسم خرائط النفوذ وهناك إدراك متزايد داخل محور المقاومة بأن الولايات المتحدة الأميركية تحاول أستثمار حالة الإنهاك الأقتصادي والسياسي في لبنان من أجل فرض تسويات تتعلق في سلاح حزب الله ودوره الإقليمي و
لذلك جاء الخطاب حادا في بعض مفاصله ومشحونا برسائل ردعية واضحة مفادها أن أي محاولة لفرض وقائع سياسية في القوة أو عبر الضغوط الأقتصادية لن تؤدي إلى تفكيك بيئة المقاومة و لكن الأهم من ذلك هو أن حزب الله يبدو مدركا تماما أن إسرائيل نفسها تعيش أزمة إستراتيجية عميقة فرغم التفوق العسكري الهائل فإن تل أبيب تواجه اليوم معضلة تتعلق في حدود القوة و الحرب الطويلة و الأستنزاف الأمني و الأنقسام الداخلي و التراجع في صورة الردع و تزايد العزلة الدولية و كل هذه هي عوامل تجعل إسرائيل أكثر حذرا في الذهاب نحو مواجهة شاملة ومن هنا يمكن فهم نبرة الثقة التي ظهرت في خطاب سماحة الشيخ نعيم قاسم فهي ليست ثقة نابعة من تفوق عسكري مطلق فقط بل من قراءة تعتبر أن خصوم حزب الله و الثنائي الشيعي أو المقاومة يعيشون بدورهم أزمات بنيوية.
البعد الروحي والمعنوي للخطاب
إن الخطابات السياسية في زمن الحروب لا تقرأ
فقط في منطق السياسة بل أيضا في منطق علم النفس الجمعي فبعد سنوات من الضغوط الأقتصادية و الأنهيار المالي اللبناني و الأغتيالات و الحروب و الحصار حيث يدرك حزب الله أن جزءا أساسيا من معركته يتمثل في الحفاظ على التماسك المعنوي داخل بيئته الشعبية ولهذا السبب حملت كلمة سماحة الشيخ نعيم قاسم بعدا تعبويا واضحا و أن الخطاب حاول أن يقول للجمهور المؤيد إن حزب الله لا يزال ممسكا في زمام المبادرة النفسية وإنه لم يدخل مرحلة الأنكسار أو الدفاع السلبي رغم حجم الضغوط وهذه النقطة هي بالغة الحساسية لأن الحروب الحديثة لا تحسم فقط في الصواريخ والطائرات بل أيضا في الصورة الذهنية وبقدرة كل طرف على إقناع جمهوره بأنه لا يزال قادرا على الصمود وفي هذا الإطار يمكن أعتبار الكلمة جزءا من إدارة المعنويات بقدر ما هي جزء من إدارة السياسة.
هل نحن أمام مرحلة جديدة في خطاب حزب الله؟
ثمة تغير تدريجي يمكن رصده في خطاب حزب الله خلال المرحلة الأخيرة وهو في السابق كان التركيز الأكبر ينصب على ثنائية المقاومة – إسرائيل و أما اليوم فإن الخطاب صار أكثر إنخراطا في قضايا الدولة والأقتصاد والسيادة الداخلية والتوازنات اللبنانية و هذا يعني أن حزب الله يدرك جيد أن التحدي المقبل ليس فقط تحديا عسكريا فقط بل تحدي يتعلق في شرعية الدور فإن البيئة اللبنانية تغيرت كثيرا و أصبح هناك أجيال جديدة نشأت وسط الأنهيار الأقتصادي وأصبحت تنظر إلى السياسة من زاوية المعيشة والأستقرار وفرص الحياة لا فقط من زاوية الصراع الإقليمي.
ولهذا فإن حزب الله مضطر إلى تطوير خطابه بأستمرار بحيث لا يبدو مجرد تنظيم عسكري بل قوة سياسية تملك تصورا للدولة ولمستقبل لبنان و لكن هذا التحول يحمل في الوقت نفسه مخاطره الخاصة فكلما أزداد أنخراط حزب الله في تفاصيل السلطة والدولة كلما أزدادت مسؤوليته المباشرة أمام الرأي العام اللبناني عن الأزمات والأنهيارات وهذا ما يجعل معادلة حزب الله أكثر تعقيدا اليوم مقارنة في مرحلة ما بعد العام 2006.
المأزق اللبناني العميق حيث أن الحقيقة التي كشفتها كلمة سماحة الشيخ نعيم قاسم سواء في شكل مباشر أو غير مباشر هي أن لبنان يعيش أزمة هوية سياسية قبل أن يعيش أزمة أقتصادية
وهي هل لبنان دولة حياد أم دولة مواجهة؟
و هل هو جزء من النظام العربي التقليدي أم جزء من محور إقليمي مقاوم؟. و هل الأولوية للاستقرار الداخلي مهما كانت التنازلات أم لمعادلات الردع حتى لو كان الثمن إقتصاديا وسياسيا؟.
حيث إن كل هذه الأسئلة لم تعد نظرية إنها اليوم جوهر الصراع اللبناني و أن حزب الله عبر خطاب أمينه العام يقول بوضوح إنه لا يقبل في إعادة تعريف لبنان بطريقة تؤدي إلى نزعه من موقعه في معادلة الصراع مع إسرائيل.
وفي المقابل هناك قوى و أحزاب لبنانية ترى أن إستمرار هذا النهج يضع البلاد في حالة أشتباك دائم مع العالم ويمنع أي فرصة حقيقية للنهوض و بين هذين المشروعين يقف لبنان معلقا بين الأنهيار و الخوف والأنتظار.
ما الذي أراد الشيخ نعيم قاسم تثبيته؟.
و هنا يمكن تلخيص الرسائل الجوهرية للكلمة في النقاط التالية وهي أن المقاومة ما زالت في التقدم
و لا تراجع سياسي أو نفسي لها و أن حزب الله لا يزال يعتبر نفسه جزءا من معادلة الردع الإقليمي.
و حيث أن السلاح بالنسبة لحزب الله ليس ملفا تفاوضي بل هو جزءا أساسيا عند المرحلة المقبلة و ستكون مرحلة صراع سياسي و إعلامي لا يقل خطورة عن الصراع العسكري.
إن كلمة سماحة الشيخ نعيم قاسم لم تكن مجرد خطاب سياسي عابر بل هي كانت إعلانا واضحا حيث أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من إعادة التموضع الإستراتيجي و أن الشرق الأوسط اليوم لا يشبه الشرق الأوسط ما قبل عملية طوفان الأقصى في يوم 7 أكتوبر في العام 2023.
القوى الإقليمية اليوم تعيد حساباتها وإسرائيل تعيش قلقا وجوديا متصاعدت والولايات المتحدة الأميركية تحاول منع أنهيار نفوذها التقليدي فيما حركات المقاومة تواجه أختبار البقاء والتحول من القوى العسكرية إلى القوى السياسية المجتمعية القادرة على الإستمرار وفي قلب هذا المشهد يقف لبنان البلد الإستراتيجي مرة أخرى كساحة تختصر صراع الشرق الأوسط كله ولهذا فإن أهمية خطاب سماحة الشيخ نعيم قاسم لا تكمن فقط فيما قاله بل فيما يعكسه من حقيقة أعمق أن المعركة في المنطقة لم تعد مجرد معركة حدود بل هي معركة تعريف للهوية والسيادة والدور والمستقبل.
وربما لهذا السبب وتحديدا فإن كل كلمة تقال اليوم في بيروت تقرأ في واشنطن وتل أبيب وطهران والرياض ودمشق في الوقت نفسه لأن لبنان و رغم
كل أزماته و أنكساراته لا يزال حتى هذه اللحظة عقدة الشرق الأوسط الكبرى.



