بريكس-أوروبا: نحو حوار أوراسي جديد في عالم متعدد الأقطاب؟

د. خالد العزي – مناشير
تتزايد الحاجة إلى بناء جسور جديدة بين الاتحاد الأوروبي ودول مجموعة البريكس في ظل التحولات السياسية والجيوسياسية المستمرة في أوراسيا والعالم. رغم أن الحوار بين الجانبين قد يبدو في مرحلة مبكرة، فإن السعي لبناء نظام علاقات جديد في أوراسيا يمثل خطوة نحو مستقبل أكثر توازناً في العلاقات الدولية، خاصة إذا استطاعت أوروبا تصحيح مسارها قبل فوات الأوان.
في سياق هذا الحوار، يُعَدّ العنوان “بريكس-أوروبا” مثيرًا للجدل في الظروف الحالية، حيث تبرز التحديات المتزايدة في بناء جسور حقيقية بين أوروبا ودول الجنوب العالمي. ورغم ذلك، فإن الندوة التي عُقدت بين الحركة العامة الدولية “أوكرانيا الأخرى” وحزب “روسيا المتحدة”، ومعهد أوروبا، في حرم سيريوس الفيدرالي، كانت بمثابة محاولة لإعادة التفكير في هذه العلاقة المعقدة. قد يُنظر إلى هذه الندوة على أنها البداية الأولى في بناء منصة حوار أوراسي أوسع، قد تشكل الأساس لعلاقات جديدة تُراعي مصالح جميع الأطراف.
تحولات في العلاقات الأوروبية مع روسيا ودول الجنوب العالمي
في السنوات الأخيرة، تراجعت حدة العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، خاصة بعد العديد من الأزمات الكبرى التي أثرت على العلاقات الدبلوماسية. استبعدت المبادرات الطموحة التي كانت مطروحة في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، مثل “أوروبا الكبرى” و”الفضاء الواحد من لشبونة إلى فلاديفوستوك”، في ظل الأوضاع الجيوسياسية المتغيرة. اليوم، يظهر جليًا أن العديد من الدول الأوروبية، باستثناء دول مثل المجر وسلوفاكيا، قد أصبحت تصنف روسيا كدولة “غير صديقة”، مما يعكس تباينًا كبيرًا في أولويات سياسات الاتحاد الأوروبي.
الإدارة الأمريكية وتأثيرها على التفاعلات الدولية
في هذه الظروف، تُواجه أوروبا تحديات كبيرة على مستوى استراتيجياتها الخارجية، خاصة في علاقتها مع دول مجموعة البريكس. التحولات في السياسة الأمريكية، بما في ذلك تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، والتي تتهم البريكس بتشكيل “تحالف معادٍ لأمريكا”، تُزيد من تعقيد المشهد. ومع ذلك، لا يبدو أن أوروبا مستعدة للتفاعل بشكل فعّال مع دول الجنوب العالمي، إذ تقتصر اتصالات الاتحاد الأوروبي مع دول البريكس على تفاعلات مع عدد قليل من الأعضاء الرئيسيين مثل الهند والصين.
الاتحاد الأوروبي وموقفه من البريكس
حقيقة أن معظم دول الاتحاد الأوروبي تتجنب الحوار الفعّال مع دول الجنوب العالمي تبرز التحديات التي تواجهها بروكسل في تشكيل تحالفات جديدة تتجاوز التوجهات التقليدية. ورغم ذلك، يرى البعض في أوروبا أن الانخراط في حوار بناء مع مجموعة البريكس قد يكون وسيلة لتعزيز العلاقات المتبادلة وتوسيع آفاق التعاون مع قوى جديدة على الساحة العالمية.
مبادرات روسيا في بناء علاقات متوازنة مع أوروبا
من جهة أخرى، أكّد فلاديمير ياكوشيف، أمين عام حزب “روسيا المتحدة”، على أن روسيا تواصل الدعوة إلى حوار مع الدول الأوروبية، بما في ذلك تلك التي تتبنى موقفًا غير ودّي حاليًا. وفي كلماته، أشار إلى احترام روسيا للتاريخ الغني لعلاقاتها مع أوروبا، وأن موسكو ما زالت ترى في أوروبا إمكانات كبيرة للتعاون المتبادل في مجالات عدة. وقد لاقت هذه التصريحات دعمًا من بعض القوى السياسية والاجتماعية في أوروبا التي تسعى إلى إعادة تقييم مواقفها تجاه روسيا والدول غير الغربية.
آفاق التعاون بين البريكس وأوروبا: تحديات وآمال
بعض الشخصيات الأوروبية، مثل بيير ديغول، رئيس مؤسسة بيير ديغول للسلام والصداقة بين الشعوب، أعربت عن أملها في أن تُعيد الدول الأوروبية النظر في سياستها تجاه مجموعة البريكس. ديغول، الذي يُعتبر صوتًا لفرنسا البديلة في السياسة الخارجية، يتوقع أن دولًا أوروبية مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا قد تنضم إلى مجموعة البريكس في المستقبل، وهو أمر قد يغير قواعد اللعبة في التفاعلات السياسية والاقتصادية الدولية.
من ناحية أخرى، يُطرح السؤال حول كيفية تعامل الاتحاد الأوروبي مع هذه الدعوات. في ظل تزايد الانقسام داخليًا بين الدول الأوروبية، قد يكون من الصعب تشكيل موقف موحد. التحديات الحالية قد تُبقي الاتحاد الأوروبي في حالة تردد، مما قد يعوق بناء علاقات أعمق مع الجنوب العالمي.
البحث عن حلول في ظل التعددية القطبية
في هذا السياق، قد تكون صيغة حوار “بريكس-أوراسيا” البديلة هي الخطوة التالية لتوسيع نطاق التعاون بين أوروبا ودول الجنوب العالمي. الميثاق الأوراسي للتعددية القطبية والتنوع، الذي دعمته روسيا وبيلاروسيا، قد يكون نقطة انطلاق لإرساء إطار أمني عالمي جديد يراعي التعددية ويربط بين مناطق مختلفة في العالم تحت مظلة واحدة. وتتمثل أهمية هذا الميثاق في دعم مبادرات السلام والاقتصاد المتوازن في أوراسيا، بما يشمل تحسين الأمن المتساوي وغير القابل للتجزئة في المنطقة.
ختامًا: العودة إلى الحوار والمصالحة
من المهم أن يدرك الاتحاد الأوروبي أن المستقبل يتطلب فتح قنوات حوار جديدة، لا سيما مع قوى غير غربية صاعدة. إن التعددية القطبية التي يروج لها قادة البريكس تشكل نموذجًا جديدًا للعلاقات الدولية، قد يكون الوقت قد حان لأوروبا للانضمام إليها والبحث عن آفاق تعاون لا تقتصر على المصالح الاقتصادية والسياسية فحسب، بل تشمل أيضًا الحفاظ على الاستقرار الأمني والانسجام الإقليمي في عالم يشهد تحولات متسارعة.



