القوى الوطنية تحت الاختبار: كيف تُسقط المقاومة الشاملة مشروع ابتلاع لبنان؟ – جميل الحسيني

جميل الحسيني
لم يكن اجتياح صيف عام ١٩٨٢ مجرد عملية عسكرية محدودة، بل كان مشروعاً جيوسياسياً متكاملاً صيغت أهدافه بين تل أبيب وواشنطن، وتلخصت الغايات الكبرى للاجتياح آنذاك في إنهاء الوجود العسكري والسياسي للمقاومة الفلسطينية، وإخراج القوات السورية من لبنان، وفرض معادلة جديدة تُفضي إلى صياغة سلطة سياسية حليفة تبرم اتفاق إذعان مع تل أبيب، وتدرج لبنان ضمن الحظيرة الأمنية والسياسية والاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية.
تجلت ترجمة تلك الأهداف بدءاً من حصار بيروت والاستبسال في مواجهته، مروراً بالانتخابات الرئاسية تحت ظل الدبابات والإملاءات الخارجية، وصولاً إلى اتفاق ١٧ أيار ١٩٨٣ الذي أريد له أن يكون وثيقة استسلام رسمية تخرج لبنان من عمقه العربي وتنقل مقدراته الأمنية إلى يد الاحتلال.
غير أن الحسابات العسكرية والسياسية للمشروع الإسرائيلي-الأمريكي اصطدمت بحركة تاريخية مضادة، إذ لم تستسلم الإرادة الوطنية اللبنانية للوقائع المعروضة بقوة السلاح، فانطلقت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية لتتشكل في حلف مواجهة جمع بين قوى قومية وشيوعية وإسلامية، متسلّحة باحتضان شعبي واسع وعابر للمناطق والطوائف.
اعتمدت هذه القوى على خيار المواجهة الشاملة عسكرياً وسياسياً وميدانياً، وقدمت أعداداً كبيرة من الشهداء والجرحى والأسرى، لتنجح في تفكيك ركائز مشروع الاجتياح، مما أدى إلى إسقاط اتفاق ١٧ أيار وإرغام الاحتلال على الانسحاب التدريجي وإحباط أهدافه في الداخل اللبناني.
وعند قراءة حال اليوم، يتضح أن المخطط نفسه يُعاد إنتاجه من جديد، ولكن بظروف أكثر حدة وأداة أكثر بطشاً، حيث تقود الإدارتان الأمريكية والإسرائيلية سياسات متوحشة لا تكتفي بالسعي لتغيير توازنات القوى السياسية داخل لبنان، بل تذهب إلى التهديد المباشر لجغرافيته وهويته وإمكانية استمراره ككيان قائم.
ويظهر التقاطع بين الحقبتين في مجموعة من النقاط الجوهرية وأهمها:
– استغلال الضغوط الحادة والأزمات المتتالية لفرض معادلة تُبعد لبنان عن دوائر تأثيره الإقليمية، وإرغامه على قبول ترتيبات أمنية وسياسية تخدم المصلحة الإسرائيلية الكاملة.
– استخدام آلة الحرب والتدمير واستهداف البنى التحتية والمجتمعية بغية تجريد البيئة الوطنية من خياراتها وفرض سقف استسلامي متدرج.
– محاصرة الدولة ومؤسساتها والتعاطي مع أزماتها الهيكلية كأداة لابتزاز القرار السياسي الرسمي والشعبي، وهو ما يشبه حصار الثمانينيات ولكنه يأخذ اليوم طابعاً اقتصادياً ومالياً وسياسياً متكاملاً.
تكمن الخطورة في أن المشروع الحالي يخوض مواجهته في ظل توازنات دولية وإقليمية شديدة التعقيد، وفي ظل تراجع ملحوظ في التماسك المؤسساتي الداخلي للبنان، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات تمسّ وجود الدولة والكيان ككل؛ وعليه فإن مواجهة السيناريو المكرر تقتضي من القوى الوطنية والحية اللبنانية استخلاص دروس تجربة الثمانينيات وتطبيقها برؤية حديثة تتناسب مع طبيعة التحديات وذلك عبر جملة اجراءات وخطوات فاعلة، وأهمها:
١- صياغة مشروع وطني جامع عماده الانطلاق من القواسم المشتركة بين مختلف الأطياف الحية، والتخلي عن الحسابات الخاصة لصالح رؤية وطنية تؤكد على حماية سيادة لبنان، وهويته، وحقه في الدفاع عن أرضه ومقدراته.
٢- تحصين الجبهة الداخلية، فإن نقطة ضعف أي مشروع خارجي تكمن في تماسك المجتمع الذي يستهدفه، وهنا تبرز أهمية حماية السلم الأهلي ومواجهة محاولات إحداث الفتنة أو الانقسام العمودي الذي يسهل عملية التدخل والابتزاز الخارجي.
٣- تفعيل أطر المواجهة السياسية والشعبية، وذلك عبر استعادة الدور النضالي والميداني في توعية الشارع وتأطير طاقاته، والتأكيد على أن خيار المواجهة لا يقتصر على البعد العسكري فحسب، بل يشمل البعد السياسي والثقافي والإعلامي والاقتصادي.
٤- بناء دولة المواطنة والمؤسسات، وذلك عبر إنشاء مؤسسات قادرة على الصمود وتقديم نموذج يلتف حوله المواطنون، لأن الدولة الضعيفة والمفككة تشكل البيئة الأسهل لتمرير المشاريع والإملاءات الخارجية؛ وتقف القوى الوطنية اليوم وأمام مسؤولية تاريخية لإعادة إنتاج تلك الإرادة وإسقاط محاولات مصادرة القرار اللبناني، حمايةً لكرامة الوطن وصوناً لمستقبله.
إن ما يجري اليوم من استهداف شامل للبنان في هويته وعناصر ديمومته تفترض إيجاد منظومة دفاعية متكاملة تشمل كل مفاصل المجتمع والدولة، وقد ثبّتت تجربة الثمانينيات في لبنان قاعدة أساسية مفادها أن المواجهة لا تقف فقط عند حدود المواجهة العسكرية، فهي تحتاج أيضاً إلى اقتصاد صلب، وجبهة سياسية متماسكة، وحاضنة شعبية واعية ومحصنة.
وعلى ضوء ما يشهده الواقع الراهن من محاولات لإخضاع لبنان والمنطقة أصبحت القوى الوطنية مطالبة بتطوير وتفعيل آليات مواجهة غير تقليدية في ثلاثة أبعاد رئيسية:
أولاً: إدارة الصراع وتحصين القرار. فإن أهم ثغرة في أي مجتمع يُستهدف من الخارج تكمن في تعميق انقساماته الداخلية، وهنا تبرز محاولات وضع الصراع في موقع طائفي أو مذهبي كأداة فاعلة لضرب القوة الذاتية. لذا، يقع على عاتق القوى الوطنية إعادة إحياء الخطاب الوطني الذي يتجاوز الأزقة والطوائف، وصياغة “ميثاق شرف وطني” يحدد الثوابت وعلى رأسها رفض الإملاءات الخارجية، والتمسك بالسيادة الكاملة، واعتبار صون الكيان خطاً أحمر لا خضوع فيه لابتزاز التهديد بالانهيار.
ثانياً: الدبلوماسية الشعبية والسياسية النشطة، فلا يجوز أن تترك الساحة الدبلوماسية والإعلامية الدولية حكراً للرواية الإسرائيلية-الأمريكية!! وعليه فإن القوى الوطنية مطالبة ببناء شبكات تواصل مع القوى المناهضة للهيمنة في العالم العربي والإسلامي وعلى المستوى الدولي، وشرح حقيقة الصراع كصراع على الوجود والهوية بما يسهم في تفكيك العزلة ويخلق نقاط ضغط سياسية مضادة. وعلى خط موازٍ، العمل من داخل الدولة من خلال حركة سياسية حية داخل البرلمان والمؤسسات العامة يمثل خط الدفاع الأول لمنع شرعنة أي اتفاقات استسلامية قد تفرض تحت فوهة السلاح أو ضغط الأزمات.
ثالثاً: تكريس المواجهة الشعبية والمجتمعية من خلال بناء وعي الصمود، فالحاضنة الشعبية هي القلب النابض لأي حركة تحرّر أو مواجهة مسلحة وسياسية. وإذا تمكن الخصم من خرق وعي القاعدة الشعبية وإشاعته روح الهزيمة واليأس، ينتهي المشروع الوطني تلقائياً. وعليه يجب العمل على ضخ الوعي بالتاريخ في أوساط الشباب والجيل الجديد الذي لم يشهد حقبة الثمانينيات، ولذا فإن إبراز كيف أُسقطت القوى الوطنية اتفاق ١٧ أيار وكيف اندحرت أعتى الجيوش في المنطقة بالصبر والمقاومة، يُعيد بناء الثقة بالقدرة الذاتية ويحطم أسطورة “القوة التي لا تُقهر”.
وفي هذا السياق، يأتي تحويل التعاطف الشعبي إلى فعل منظم من خلال الجمعيات الأهلية، والنوادي الشبابية، والروابط النقابية والعمالية، ما يمنح الشارع القدرة على التحرك السريع في مواجهة أي قرارات مصيرية جائرة، ويوفر الإسناد الأمني والاجتماعي للبيئات المستهدفة. كما يتعين على الإعلام الوطني والبديل خوض معركة الرواية من خلال كشف التضليل، والرد على الإحباط الممنهج، وإبراز نقاط ضعف العدو ومخططه، وهي أدوات لا تقل أهمية عن أي أداة مواجهة أخرى.
إن إسقاط المشاريع الكبرى لا يتم بجهد منفصل؛ ومتى ما تلاحمت أبعاد المواجهة في رؤية وطنية شجاعة، تتحوّل الضغوط والتهديدات إلى فرصة لإعادة بناء الوطن على قواعد صلبة، وتكرار سيناريو ثمانينيات القرن الماضي ونتائجه بإسقاط أهداف الاجتياح، وانكسار إرادة الهيمنة أمام ثبات أهل الأرض.



