خبر عاجلسياسة

“العملية السياسية في العراق إلى أين؟” – محمد المشهداني 

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

“العملية السياسية في العراق إلى أين؟” – محمد المشهداني

 

محمد المشهداني _مناشير

 

من الصعب قراءة المشهد العراقي الحالي بوصفه أزمة سياسية عابرة أو مجرد خلافات بين القوى و الأحزاب المتنافسة على السلطة و إنما ما يمر به العراق منذ العام 2003. هو في حقيقته تحول تأريخي عميق أعاد تشكيل مفهوم الدولة والهوية والسلطة والمجتمع معا .

 

العراق اليوم لا يعيش أزمة حكومة فقط ولا أزمة خدمات فقط ولا حتى أزمة فساد فقط بل يعيش أزمة بنية سياسية كاملة تشكلت في لحظة أستثنائية بعد سقوط النظام البعث العراقي ثم تطورت داخل بيئة إقليمية شديدة الإضطرابات ووسط التدخلات الإقليمية و الدولية المتشابكة و الأنقسامات الإجتماعية و الطائفية و القومية المتراكمة.

 

ولهذا فإن فهم مستقبل العملية السياسية العراقية يتطلب قراءة أعمق من التحليلات اليومية التقليدية لأن ما يجري في العراق ليس مجرد تنافس أنتخابي أو أختلافات سياسية و برلمانية بل هو صراع طويل على شكل الدولة نفسها.

 

بحيث الشعب العراقي يسأل _

هل تكون دولة مواطنة أم دولة مكونات؟

هل تكون دولة مؤسسات أم دولة أحزاب؟

هل تكون دولة سيادة وطنية أم ساحة نفوذ إقليمي؟

هل يكون النفط والغاز أداة بناء أم أداة صراع؟

وهل يستطيع العراق إنتاج نخبة تأريخية قادرة

على تجاوز إرث الحروب والطائفية والأنقسامات؟

 

 

إن العراق يقف اليوم على حدود مرحلة تأريخية حساسة للغاية حيث أن التوازنات القديمة بدأت تهتز بينما لم يولد البديل الجديد بشكل كامل بعد ولهذا تبدو العملية السياسية العراقية وكأنها تتحرك داخل دائرة مغلقة تزامنها الأزمات المتتكرر و التسويات المؤقتة و الحكومات التوافقية و صراعات النفوذ و الأحتجاجات الشعبية و ثم العودة إلى النقطة نفسها.

 

و لكن الأخطر ما في المشهد أن الزمن لم يعد يعمل لصالح الطبقة السياسية التقليدية كما كان

في السنوات السابقة و لأن التحولات الإقليمية و الإجتماعية والديموغرافية و الأقتصادية باتت أسرع من قدرة النظام السياسي على التكيف.

 

 

ومن هنا تبرز أهمية السؤال المصيري _

إلى أين تتجه العملية السياسية في العراق؟

 

وهل نحن أمام مرحلة إصلاح تدريجي للنظام القائم؟ أم أمام أنهيار بطيء لبنية سياسية أستنفدت قدرتها على الإستمرار ؟. أم أن العراق يتجه نحو ولادة عقد سياسي جديد قد يعيد تعريف الدولة العراقية في الكامل؟.

 

 

منذ العام 2003. دخل العراق مرحلة سياسية جديدة وصفت آنذاك بأنها بداية لبناء دولة ديمقراطية تعددية بعد عقود طويلة من الحكم

الديكتاتوري و المركزي الصارم والحروب والعقوبات والعزلة الدولية و غير أن المسار الذي تشكل لأحقا لم يكن أنتقالا تقليديا نحو الديمقراطية بقدر ما كان إعادة تشكيل شامل للبنية السياسية و الإجتماعية و الأقتصادية للدولة العراقية تحت الظروف الأستثنائية و المعقدة و التداخلت التي تفرض فيها الإرادات المحلية مع التأثيرات الإقليمية والدولية بصورة غير مسبوقة.

 

وعلى أمتداد أكثر من عقدين شهد العراق أنتخابات متعددة و تداولا نسبيا للسلطة وصعود قوى سياسية جديدة وسقوط قوئ سياسية أخرى و أحتجاجات شعبية واسعة وحروبا ضد الإرهاب وأزمات إقتصادية خانقة و أنقسامات إجتماعية وطائفية وقومية فضلا عن التدخلات الخارجية التي أثرت بعمق كبيرا في القرار الوطني.

 

و السؤال هنا من الذي يفرض نفسه اليوم بقوة و إلى أين تتجه العملية السياسية في العراق؟. وهل ما زال النظام السياسي الحالي قادرا على إنتاج وبسط الإستقرار وبناء الدولة؟. أم أن العراق يقف أمام مرحلة إعادة صياغة شاملة لعقده السياسي والأجتماعي؟.

 

 

جذور العملية السياسية بعد 2003.

 

إن الخطأ الأكبر في قراءة التجربة العراقية بعد العام 2003. هو أختزالها في فكرة إسقاط نظام وبناء نظام جديد و لأن ما حدث في الحقيقة كان تفكيكا كاملا لبنية الدولة العراقية القديمة و ثم محاولة إعادة تركيبها وفق المعادلات الداخلية والخارجية الجديدة.

 

فبعد سقوط العراق في العام 2003. لم ينهار

النظام السياسي فقط بل أنهارت معه كل المؤسسات

منها المؤسسة العسكرية و البنية الإدارية و الأجهزة الأمنية و منظومة القرار المركزي و التوازن الإجتماعي التقليدي و بدلا من إعادة بناء الدولة على أساس وطني متدرج جرى تأسيس العملية السياسية ضمن بيئة يغلب عليها منطق تقاسم النفوذ.

 

وهنا ظهر التناقض البنيوي الأكبر فإن العراق حاول بناء نظام ديمقراطي حديث داخل مجتمع خارج لتوه من الحروب والعقوبات والأنقسامات ومن دون وجود المؤسسات المستقرة القادرة على حماية التجربة الجديدة ولهذا نشأت العملية السياسية منذ البداية وهي تحمل تناقضاتها داخلها فإن الدستور تحدث عن المواطنة بينما الواقع السياسي إتجه نحو المحاصصة و الإنتخابات التي تحدثت عن التنافس الديمقراطي و بينما الممارسة الفعلية إتجهت نحو التوازنات الحزبية و الطائفية والقومية.

 

 

وأن الدولة تحدثت عن المؤسسات بينما القوى و الأحزاب السياسية أسست شبكات نفوذ موازية داخل الدولة نفسها وهكذا تشكل النظام العراقي الجديد كمنظومة هجينة تجمع بين الديمقراطية الشكلية والتوافقات المغلقة وصراع المصالح.

 

بعد سقوط النظام البعث الإرهابي في العام 2003. تأسست العملية السياسية العراقية على مجموعة من المرتكزات الأساسية أهمها من مبدأ التعددية السياسية و أعتماد النظام البرلمان و توزيع السلطة وفق التوازنات المكوناتية و صياغة الدستور الدائم في العام 2005. و بناء نظام أنتخابي تعددي.

 

و لكن المشكلة الجوهرية أن هذه الأسس لم تؤسس على قاعدة وطنية متماسكة بل جاءت ضمن ظروف الإحتلال الأميركي و الأنهيار المؤسسي الكامل للدولة ولذلك تشكل النظام الجديد بطريقة هجينة جمعت بين الديمقراطية الشكلية و المحاصصة السياسية ومنذ البداية لم يكن الإنتماء الحزبي في العراق قائما على البرامج الأقتصادية أو الفكرية بقدر ما أرتبط في الهوية الطائفية أو القومية أو المناطقية وهنا بدأت بذور الأزمة العميقة فإن العملية السياسية لم تنتج دولة مواطنة بالمعنى الحديث بل أنتجت نظاما يقوم على تقاسم النفوذ بين القوى السياسية الكبرى و تحويل مفهوم الشراكة الوطنية تدريجيا إلى آلية لتوزيع السلطة والثروة والمناصب حيث إن المحاصصة السياسية والعقدة المركزية للأزمة العراقية ولا يمكن فهم تعثر الدولة العراقية من دون فهم نظام المحاصصة حيث أن نظام المحاصصة في العراق لم يعد مجرد توزيع للمناصب بين المكونات فقط بل تحولت إلى بنية حكم كاملة تتحكم في تشكيل الحكومات و توزيع الوزارات و التعيينات العليا و العقود الأقتصادية و القرار الأمني و النفوذ الإداري وقد أدت هذه البنية إلى نتائج خطيرة أهمها ضعف الدولة و عندما تقسم مؤسسات الدولة بين القوى و الأحزاب السياسية تتحول الوزارات إلى مناطق نفوذ حزبي حيث يصبح فيها الولاء السياسي أقوى من الولاء الوطني.

 

و الفساد البنيوي حيث أصبح الفساد في العراق لم يعد فساد أفراد فقط بل أصبح جزءا من آلية إدارة السلطة فإن القوى و الأحزاب تحتاج إلى التمويل للحفاظ على نفوذها السياسي مما خلق شبكات مالية و إقتصادية معقدة مرتبطة في الدولة وكذلك غياب المعارضة الحقيقية في كثير من الأحيان تشارك أغلب القوى و الأحزاب السياسية في الحكومة مما يضعف مفهوم الرقابة والمحاسبة و تعطيل الكفاءة حيث غالبا ما تمنح المناصب على أساس الولاء الحزبي لا الكفاءة المهنية وهو ما أنعكس على الخدمات والبنية التحتية والإدارة العامة.

 

 

ونأتي إلى أزمة الهوية الوطنية وهي أحد أخطر التحديات التي واجهت العراق بعد العام 2003. وهو تراجع الهوية الوطنية الجامعة أمام الهويات الفرعية فبعد عقود من الديكتاتورية المركزية الصارمة أنفجرت التناقضات الإجتماعية و السياسية والطائفية والقومية دفعة واحدة وبدل من أن تعمل النخب السياسية على بناء مشروع وطني جامع حيث جرى الأستثمار السياسي في الأنقسامات المجتمعية و

أصبحت الطائفة والقومية والحزبية والعشيرة في كثير من الأحيان أقوى من الدولة نفسها وهذا الأمر أنعكس على الإنتخابات و الإعلام و الخطاب السياسي و التوظيف و توزيع الثروة و العلاقات الإجتماعية ومع مرور الوقت تشكلت حالة من أنعدام الثقة بين المواطن والدولة فإن الكثير من العراقيين باتوا يشعرون أن الدولة لا تمثلهم كمواطنين متساوين بل يتحدد موقعهم داخلها وفق أنتماءاتهم الفرعية.

 

 

الأحتجاجات الشعبية وصرخة ضد النظام السياسي

شهد العراق عدة موجات أحتجاجية متعددة و لكن أحتجاجات تشرين العام 2019. مثلت نقطة تحول تأريخية للمرة الأولى خرج جيل عراقي شاب يرفع شعارات تتجاوز الأنقسامات الطائفية التقليدية مطالبا بعدة مطالب منها دولة مدنية و مكافحة الفساد و فرص العمل و إنهاء المحاصصة و أستعادة السيادة الوطنية و محاسبة الطبقة السياسية.

 

ومن أهمية أحتجاجات تشرين أنها كشفت عن وجود فجوة عميقة بين الشارع والنظام السياسي و كما كشفت أن شرعية العملية السياسية لم تعد مستقرة كما كانت في السنوات الأولى بعد العام 2003. فإن الأجيال الجديدة لا تنظر إلى الأحزاب التقليدية بوصفها ممثلا طبيعيا لها بل ترى أن جزءا كبيرا من الطبقة السياسية أصبح مرتبط في إدامة الأزمة لا حلها ورغم أن الأحتجاجات لم تنجح في إحداث تغيير جذري للنظام فإنها فرضت تحولات مهمة منها

إسقاط حكومة و تعديل قانون الإنتخابات و تصاعد الخطاب الإصلاحي و دخول قوى جديدة إلى البرلمان و لكن المشكلة الأساسية بقيت قائمة وهي أن بنية النظام نفسها ما زالت قادرة على إعادة إنتاج التوازنات القديمة.

 

منها الإقتصاد الريعي و الدولة التي تعيش على النفط والغاز فإن العراق من أكثر الدول أعتمادا على النفط والغاز في العالم وهذه الحقيقة خلقت أزمة بنيوية خطيرة فإن الدولة العراقية تعتمد بشكل شبه كامل على عائدات النفط والغاز لتمويل الرواتب والمشاريع و الدعم الحكومي و الإنفاق الأمني و الموازنة العامة.

 

ولكن الإقتصاد الريعي يؤدي غالبا إلى ضعف القطاع الخاص لأن الدولة تصبح المشغل الأكبر ويتراجع الأستثمار الإنتاجي و تضخم الجهاز الحكومي حيث تحولت الوظيفة الحكومية إلى أداة سياسية و إجتماعية لامتصاص البطالة وكسب الولاءات و هشاشة الإقتصاد أي أنخفاض في أسعار النفط يهدد الإستقرار المالي و إنتشار الفساد عندما تتركز الثروة في الدولة تصبح السيطرة على السلطة طريقا للسيطرة على الموارد وهنا تتداخل الأزمة الأقتصادية مع الأزمة السياسية فإن النظام السياسي العراقي قائم جزئيا على توزيع الموارد النفطية بين القوى و الأحزاب النافذة والمجتمع للحفاظ على الإستقرار و لكن هذا النموذج يواجه تحديات متزايدة مع أرتفاع عدد السكان و زيادة البطالة و ضعف الخدمات و التغيرات العالمية في أسواق الطاقة.

 

والعقدة الآخرئ هو السلاح خارج أطار الدولة وإشكالية السيادة و من أعقد ملفات العراق المعاصرة وهي مسألة تعدد مراكز القوة المسلحة فبعد الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي تعزز نفوذ الفصائل المقاومة بشكل كبيرا ورغم أن جزءا من هذه الفصائل أصبح ضمن مؤسسات رسمية ومع هذا فإن الجدل ما زال قائما حول حدود سلطة الدولة و أحتكار السلاح و أستقلال القرار الأمني و العلاقة بين العمل السياسي والعمل العسكري و هذه الإشكالية لا ترتبط فقط في الأمن بل تؤثر في الإستثمار و العلاقات الخارجية و هيبة الدولة و الإستقرار الداخلي فأي دولة حديثة تحتاج إلى أحتكار مشروع للقوة و لكن العراق ما زال يعيش حالة معقدة تتداخل فيها المؤسسات الرسمية مع القوى غير الرسمية.

 

ودور التأثيرات الإقليمية والدولية في العراق بحكم موقعه الجغرافي وثروته النفطية الكبيرة وتركيبته الإجتماعية يمثل ساحة تنافس إقليمي ودولي و تتداخل في العراق مصالح متعددة تشمل كل من

الولايات المتحدة الأميركية و الجمهورية الإسلامية الإيرانية و تركيا و دول العربية و القوى الدولية الكبرى و قد أدى هذا التداخل إلى جعل القرار العراقي أحيانا رهينة لتوازنات خارجية فإن العديد من الأزمات السياسية العراقية لم تكن داخلية في الكامل بل لها أرتبطت أيضا في الصراعات النفوذ الإقليمي و في كثير من الأحيان تتحول الساحة العراقية إلى مساحة لتبادل الرسائل السياسية والأمنية بين القوى المتنافسة وهذا يضعف قدرة الدولة العراقية على بناء سياسة خارجية مستقلة متوازنة و لكن في المقابل يمتلك العراق فرصة مهمة للتحول إلى دولة توازن إقليمي إذا نجح في تعزيز مؤسسات الدولة و بناء أقتصاد قوي و تقوية الهوية الوطنية و أعتماد منهج السياسة الخارجية المتوازنة.

 

عقدة الإنتخابات و الديمقراطية الشكلية أم التغيير الحقيقي؟. أجرى العراق مسلسل أنتخابات عدة منذ العام 2005. و لكن السؤال المركزي بقي مطروحا و هل الإنتخابات في العراق قادرة فعلا على إنتاج تغيير سياسي حقيقي؟. و هناك عدة مشكلات تواجه التجربة الإنتخابية العراقية منها ضعف الثقة الشعبية

و نسب المشاركة المتراجعة تعكس حالة إحباط واسعة وكذلك المال السياسي حيث أن القدرات المالية الضخمة لبعض القوى والأحزاب تؤثر في تكافؤ الفرص وكذلك النفوذ المسلح حيث مع وجود قوى تمتلك أدوات ضغط ميداني يثير جدلا حول عدالة المنافسة و كذلك الأنقسام المجتمعي حيث

أن التصويت غالبا ما يبقى مرتبطا في الهوية أكثر من البرامج ومع ذلك لا يمكن التقليل من أهمية الإنتخابات باعتبارها حيث ما يزال الإطار السلمي الأساسي لتداول السلطة و لكن نجاح الديمقراطية يحتاج إلى ما هو أكثر من صناديق الأقتراع حيث إنه يحتاج إلى قضاء مستقل و إعلام حر و مجتمع مدني قوي و إقتصاد متوازن و ثقافة سياسية ديمقراطية.

 

 

وأن صراع الأجيال داخل المشهد السياسي في العراق اليوم يعد تحولا ديموغرافيا مهما فإن غالبية السكان من الشباب و بينما ما تزال الطبقة السياسية التقليدية تهيمن على القرار وهذا التناقض خلق فجوة كبيرة و متزايدة حيث أن الشباب العراقي ينظر إلى العالم عبر التكنولوجيا والأنفتاح الرقمي ويقارن واقعه في الدول الأخرى ويريد مطالب

منها فرص العمل و الخدمات و الحرية و العدالة و دولة حديثة و بينما ما تزال أجزاء من النظام السياسي تعمل في عقلية الصراعات القديمة وهنا يكمن أحد أخطر التحديات المستقبلية في العراق فإذا لم تستطع العملية السياسية أستيعاب التحولات الإجتماعية الجديدة فإن أحتمالات الأنفجار السياسي أو الإجتماعي ستبقى قائمة.

 

 

و هل العراق أمام إصلاح أم تغيير جذري؟

طبعا هناك اليوم إتجاهان رئيسيان في قراءة مستقبل مشرق العراق.

 

الاتجاه الأول _ الإصلاح التدريجي وهو يرى أن النظام الحالي رغم أزماته ما يزال قابلا للإصلاح عبر

مكافحة الفساد و تعديل القوانين و تقوية القضاء و تطوير الإدارة و تحسين الإنتخابات و دعم مؤسسات الدولة و بهذا أصحاب أن هذا الأتجاه يخشون من أن أي إنهيار كامل للنظام قد يقود إلى فوضى خطيرة.

 

الاتجاه الثاني _ التغيير الجذرية و هو يرى أن بنية النظام نفسها هي مصدر الأزمة وأن أي إصلاح جزئي لن يكون كافيا و يطالب هذا الإتجاه في إعادة صياغة شاملة للعقد السياسي العراقي و لكن التغيير الجذري تواجه التحديات الكبيرة لأن القوى المستفيدة من النظام الحالي تمتلك نفوذا سياسيا و إقتصاديا وأمنيا واسعا.

 

 

السيناريوهات المحتملة لمستقبل العراق

 

السيناريو الأول _ الإستمرار في إدارة الأزمة وهو السيناريو الأقرب على المدى القصير حيث تستمر العملية السياسية الحالية مع بعض التعديلات المحدودة بينما تبقى الأزمات الأساسية من دون حلول جذرية و هذا السيناريو يحافظ على الحد الأدنى من الإستقرار و لكنه لا يبني دولة قوية.

 

السيناريو الثاني _ الإصلاح التدريجي الحقيقي وهو يتحقق إذا توفرت إرادة سياسية لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتقليل نفوذ المحاصصة والفساد هذا السيناريو يحتاج إلى قيادة سياسية شجاعة و دعم شعبي واسع و توافقات داخلية و توازنات إقليمية مستقرة.

 

 

السيناريو الثالث _ الأنفجار السياسي والأجتماعي

حيث إذا أستمرت الأزمات الأقتصادية والبطالة والفساد وضعف الخدمات فقد يشهد العراق حالة موجات أضطراب كبيرة وخاصة إذا تزامنت مع الأزمات الإقليمية أو الأنهيارات الإقتصادية.

 

السيناريو الرابع _ إعادة تأسيس الدولة وهو السيناريو الأكثر تعقيدا والأبعد مدى ويتضمن إعادة صياغة النظام السياسي في الكامل نحو دولة المواطنة الحديثة التي تتجاوز الأنقسامات التقليدية و لكن تحقيق هذا المسار يحتاج إلى تحولات تأريخية عميقة في الثقافة السياسية والنخب الحاكمة والمجتمع.

 

 

 

ماذا يحتاج العراق للخروج من أزمته؟

 

أي مشروع حقيقي لإنقاذ العراق يحتاج إلى مجموعة من الشروط الأساسية منها _

 

أولا _ بناء دولة المواطنة بحيث يصبح الإنتماء للعراق فوق أي أنتماء فرعي.

 

ثانيا _ إصلاح القضاء و لأن العدالة أساس أي دولة مستقرة.

 

ثالثا _ إنهاء الفساد البنيوي عبر بناء المؤسسات الرقابية المستقلة و الشفافة.

 

رابعا _ تنويع الإقتصاد و الخروج من الإعتماد الكامل على النفط والغاز .

 

خامسا _ أحتكار الدولة للسلاح لضمان السيادة و الإستقرار.

 

سادسا _ إصلاح التعليم و لأن بناء الدولة يبدأ في بناء الإنسان.

 

سابعا _ تمكين الشباب كونهم يمثلون القوة الإجتماعية الأكبر.

 

ثامنا _ السياسة الخارجية المتوازنة التي تحمي المصالح الوطنية بعيدا عن سياسة المحاور.

 

 

 

 

الإستراتيجية المفتوحة نحو المستقبل العراق اليوم ليس أمام أزمة عابرة يمكن حلها بتغيير حكومة أو عقد تحالف سياسي جديد فقط بل أمام سؤال تأريخي يتعلق في مستقبل الدولة نفسها فإن للعملية السياسية التي تشكلت بعد العام 2003. نجحت نسبيا في منع عودة الدكتاتورية التقليدية ونجحت أحيانا في أحتواء الأنهيارات الكبرى و لكنها في المقابل فشلت في بناء نموذج دولة قادر على تحقيق العدالة والأستقرار والتنمية والسيادة الكاملة و أن المشكلة الأساسية أن النظام السياسي العراقي أستهلك جزءا كبيرا من شرعيته الشعبية مع مرور الوقت حيث أن الشارع العراقي لم يعد ينظر إلى الصراع السياسي بوصفه تنافسا بين مشاريع وطنية بل يراه في كثير صراعا بين شبكات النفوذ تقاسمي في هيكلة الدولة وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة لأن أي نظام سياسي يستطيع الأستمرار في الأدوات الأمنية أو التوافقات المؤقتة لفترة معينة لكنه لا يستطيع البقاء إلى الأبد إذا فقد قدرته على إنتاج الأمل والثقة والعدالة.

 

إن الجيل العراقي الجديد مختلف تماما عن الأجيال السابقة فهو أقل أرتباطات في السرديات الطائفية التقليدية وأكثر أتصالات في العالم وأكثر غضبا من الفساد والبطالة والأنهيار الخدمي وهذا يعني أن العراق خلال السنوات المقبلة سيشهد صراعات متزايده بين منطق الدولة الحديثة و منطق النظام التقليدي القائم على المحاصصة و النفوذ و كما أن التحولات الإقليمية والدولية ستفرض ضغوطات هائلة على العراق فإن المنطقة كلها تعيش إعادة تشكيل جيوسياسية كبرئ والعراق سيكون أحد أهم ساحاتها ولهذا فإن مستقبل العراق لن يتحدد فقط داخل البرلمان أو الإنتخابات بل سيتحدد أيضا عبر

قدرة الدولة على أستعادة قرارها الوطني و قدرة المجتمع على إنتاج وعي سياسي جديد و قدرة النخب على الإنتقال من عقلية السلطة إلى عقلية الدولة وقدرة العراق على تحويل ثروته النفطية من مصدر صراع إلى مشروع نهضة.

 

حيث إن أخطر ما يمكن أن يحدث للعراق ليس الأنفجار المفاجئ فقط بل إستمرار التآكل البطيء للدولة فإن الدول لا تسقط دائما في الحروب بل قد تنهار تدريجيا و عندما تفقد مؤسساتها معناها وثقة شعبها.

 

ولكن في المقابل فإن العراق يمتلك فرصة تأريخية نادرة فهو بلد يملك ثروة نفطية وغازية هائلة و موقعا جغرافيا إستراتيجيا و عمقا و حضاريا كبيرا و مجتمعا شابا وتسعا و طاقات بشرية وثقافية ضخمة ولو نجح العراق في إعادة بناء عقده الوطني على أساس المواطنة والكفاءة والعدالة والسيادة فقد يتحول خلال عقود قليلة إلى قوة إقليمية مستقرة ومؤثرة أما إذا أستمرت الصراعات الحالية من دون مشروع وطني جامع فإن العملية السياسية ستبقى تدور داخل الحلقة نفسها وهي الأزمات المتواصلة و حكومات التغيير و التسويات المؤقتة و بينما تبقى الدولة ضعيفة والمجتمع مرهقا.

 

ويبقى السؤال الأكبر معلقا فوق المشهد العراقي كله هل ينجح العراق في الإنتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الدولة؟ أم أن العملية السياسية ستبقى أسيرة التوازنات والصراعات حتى تفرض التحولات الكبرى واقعا جديدا لا يشبه ما قبله؟. و ذلك السؤال ليس سياسيا فقط بل سؤال يتعلق في مصير العراق كله.

 

حيث إن العملية السياسية في العراق تقف اليوم عند مفترق طرق تأريخي فبعد أكثر من عشرين عاما. على التغيير أصبح واضحا أن النظام الحالي نجح في منع أنهيار الدولة في الكامل في بعض المراحل و لكنه فشل في بناء دولة مستقرة وعادلة وقوية في المعنى الحقيقي و العراق ليس دولة فقيرة بل يمتلك ثروات كبيرة هائلة وموقعا إستراتيجيا وطاقات بشرية كبيرة و لكن الأزمة الحقيقية تكمن في إدارة الدولة وطبيعة النظام السياسي والصراع على النفوذ ورغم الصورة القائمة أحيانا فإن العراق ما يزال يمتلك فرصة تأريخية للنهوض حيث أن المجتمعات لا تبقى أسيرة أزماتها إلى الأبد والتأريخ يثبت أن الدول القادرة على مراجعة أخطائها وإعادة بناء مؤسساتها تستطيع التحول حتى بعد الحروب و الأنقسامات.

 

و يبقى السؤال الأهم هل تستطيع النخب السياسية العراقية الإنتقال من منطق إدارة السلطة إلى منطق بناء الدولة؟. وهل يتمكن المجتمع العراقي من إنتاج مشروع وطني جديد يتجاوز الأنقسامات التقليدية؟

 

و الإجابة عن هذا السؤال سيحدد ليس فقط في مستقبل العملية السياسية بل في مستقبل العراق كله خلال العقود القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى