خبر عاجلسياسةمقالات

الصين في مواجهة “مجلس” ترامب : الفلسطينيون يحكمون فلسطين – اسامة القادري

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365
الصين في مواجهة “مجلس” ترامب : الفلسطينيون يحكمون فلسطين – اسامة القادري

اسامة القادري – مناشير

لم يكن كلام الرئيس الصيني شي جين بينغ عن أن «الفلسطينيين يحكمون فلسطين» مجرد عبارة دبلوماسية عابرة، بل يحمل في توقيته ومضمونه دلالة سياسية تتجاوز التأكيد التقليدي على حل الدولتين. فبكين تضع، بوضوح، قاعدة مختلفة عن تلك التي يقوم عليها المشروع الأميركي لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة.

حين تقول الصين إن فلسطين هي للفلسطينيين وإن إدارة الضفة الغربية وإعادة إعمار غزة يجب أن تقوم على مبدأ «الفلسطينيون يحكمون فلسطين»، فهي ترفض عملياً تحويل الشعب الفلسطيني إلى طرف متلقٍّ لترتيبات دولية تُفرض عليه من الخارج، أو اختزال القضية الفلسطينية في ملف إعادة إعمار وإدارة أمنية واقتصادية تحت إشراف قوى دولية.

وهنا تحديداً يظهر التناقض مع «مجلس السلام» الذي أنشأه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي بات إطاراً رئيسياً لإدارة مشروع إعادة إعمار غزة وترتيباتها السياسية والأمنية. وقد أثار المجلس منذ تأسيسه انتقادات بسبب طبيعة تركيبته، ولا سيما لكون التمثيل الفلسطيني المباشر غائباً عن هيئته، فيما تُدار شؤون غزة خلال المرحلة الانتقالية عبر لجنة فلسطينية تكنوقراطية تحت مظلة المجلس.

المسألة، إذاً، ليست خلافاً صينياً ـ أميركياً على اسم هيئة أو آلية إدارية، بل صراع على السؤال الأكثر جوهرية: من يملك القرار في فلسطين؟

هل يكون الفلسطينيون أصحاب القرار في أرضهم، أم تصبح غزة والضفة الغربية ساحة لإدارة دولية مؤقتة تتداخل فيها الولايات المتحدة وإسرائيل وقوى إقليمية ودولية، بما يفتح الباب أمام إعادة صياغة الواقع الفلسطيني وفق موازين القوة الجديدة؟

من هذه الزاوية، تبدو العبارة الصينية شديدة الأهمية. فبكين لا تتحدث فقط عن وقف الحرب أو إعادة الإعمار، بل تعيد تثبيت صاحب الأرض باعتباره صاحب الحق السياسي في إدارة أرضه. وهذا يضعها في موقع سياسي متعارض مع أي مشروع يمكن أن يؤدي إلى انتزاع القرار الفلسطيني من الفلسطينيين، حتى لو حمل ذلك المشروع عنوان «السلام».

الأكثر حساسية أن «مجلس السلام» لا يقتصر دوره على جمع التمويل لإعادة إعمار غزة، بل يرتبط بترتيبات سياسية وأمنية واسعة للمرحلة المقبلة. والولايات المتحدة تدفع باتجاه منظومة تشمل نزع السلاح، وإدارة انتقالية، وقوة استقرار دولية، وإعادة إعمار، وهي عناصر تجعل المجلس لاعباً في إعادة تشكيل واقع غزة، لا مجرد صندوق لإعادة البناء.

وهنا تأتي الرسالة الصينية: إعادة إعمار فلسطين لا يمكن أن تكون بديلاً من حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

فالصين، التي امتنعت عن الانضمام إلى «مجلس السلام»، ليست في وارد التسليم بأن إعادة ترتيب غزة يمكن أن تتم بعيداً من الإطار السياسي للقضية الفلسطينية. وقد سبق لبكين أن دفعت باتجاه المصالحة الفلسطينية والوحدة الوطنية، واحتضنت في عام 2024 اتفاقاً بين الفصائل الفلسطينية يقوم على توحيد الصف الفلسطيني والتمهيد لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وبالتالي، فإن مبدأ «الفلسطينيون يحكمون فلسطين» يمكن قراءته باعتباره خطاً أحمر صينياً في مواجهة أي ترتيبات دولية تجعل مستقبل فلسطين رهينة لإرادة القوى الكبرى.

وهذا لا يعني أن بكين أعلنت حرباً سياسية مفتوحة على واشنطن أو أنها دخلت في مواجهة مباشرة مع «مجلس السلام». لكن المعنى السياسي واضح: الصين تطرح نموذجاً مقابلاً يقوم على الشرعية الفلسطينية والدولية وحل الدولتين، في مقابل نموذج أميركي يمنح هيئة دولية تقودها واشنطن دوراً واسعاً في إدارة المرحلة الانتقالية في غزة.

رؤية أخرى تقول إن الطريق إلى السلام يبدأ من مكان مختلف تماماً: فلسطين للفلسطينيين، والقرار الفلسطيني للفلسطينيين، والدولة الفلسطينية هي النتيجة السياسية التي يجب أن تقود إليها أي عملية سلام، لا جائزة تُمنح بعد انتهاء ترتيبات الإدارة الدولية

المواجهة الحقيقية، إذاً، ليست بين الصين و«مجلس السلام» على طاولة دبلوماسية، بل بين رؤيتين لمستقبل فلسطين.

رؤية تعتبر أن السلام يبدأ بإعادة بناء غزة، وضبط أمنها، ونزع سلاحها، وإخضاع المرحلة الانتقالية لإشراف دولي واسع.

ورؤية أخرى تقول إن الطريق إلى السلام يبدأ من مكان مختلف تماماً: فلسطين للفلسطينيين، والقرار الفلسطيني للفلسطينيين، والدولة الفلسطينية هي النتيجة السياسية التي يجب أن تقود إليها أي عملية سلام، لا جائزة تُمنح بعد انتهاء ترتيبات الإدارة الدولية.

ومن هنا تكتسب عبارة شي جين بينغ وزنها الحقيقي. فبكين لا تريد أن تتحول القضية الفلسطينية من قضية شعب تحت الاحتلال وحقه في تقرير المصير إلى «مشروع إدارة دولية» لغزة، ولا أن تصبح إعادة الإعمار مدخلاً لإعادة هندسة الواقع السياسي الفلسطيني بما يخدم التمدد الإسرائيلي أو يكرّس وقائع الاحتلال.

وبهذا المعنى، فإن الصين ترفع السقف السياسي في مواجهة المشروع الأميركي: لا سلام فوق إرادة الفلسطينيين، ولا إدارة لفلسطين من دون الفلسطينيين، ولا إعادة إعمار يمكن أن تُستخدم لتصفية جوهر القضية الفلسطينية.

والسؤال الذي ستفرضه المرحلة المقبلة ليس فقط من سيموّل إعادة إعمار غزة، بل من سيقرر شكل فلسطين المقبلة، ومن يملك حق رسم مستقبلها؟

وهنا تحديداً يبدأ الاختبار الحقيقي بين مشروع «مجلس السلام» والرؤية الصينية التي تعيد وضع الفلسطيني في مركز القضية: الفلسطينيون يحكمون فلسطين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى