خبر عاجلمقالات

الجزيرة الكوبية بعين العاصفة القادمة من البيت الأبيض

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

الجزيرة الكوبية بعين العاصفة القادمة من البيت الأبيض

 

 

د. خالد العزي

 

يبدو أن واشنطن تُعيد فتح ملف كوبا بقوة، لكن هذه المرة في ظل ظروف دولية وإقليمية أكثر تعقيدًا، حيث تسعى الإدارة الأمريكية إلى تكثيف الضغوط الاقتصادية والسياسية على هافانا، مستفيدة من الأزمة الداخلية العميقة التي تعيشها الجزيرة منذ سنوات. وبينما تنشغل الولايات المتحدة بملفات دولية ساخنة، وعلى رأسها المواجهة غير المحسومة مع إيران، تؤكد التصريحات الصادرة عن البيت الأبيض أن كوبا لا تزال ضمن أولويات الضغط الأمريكي، بل إن بعض التقديرات داخل الإدارة تتحدث عن إمكانية اهتزاز النظام الكوبي خلال صيف عام 2026.

 

خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض، لم يُخفِ وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو موقفه الحاد من الحكومة الكوبية، إذ وصفها بأنها “مجموعة من الشيوعيين غير الأكفاء”، مؤكدًا أن كوبا تمر بـ”ورطة كبيرة”. إلا أن الأزمة، بحسب التقارير الأمريكية، لا ترتبط فقط بالاختلالات الاقتصادية الداخلية، بل أيضًا بخطة أمريكية متدرجة تهدف إلى خنق الاقتصاد الكوبي بصورة أكبر، ودفع النظام إلى حافة الانهيار.

 

راؤول كاسترو في اوراق البيت الابيض

 

وفي هذا السياق، برز اسم مجموعة “غايسا” الاقتصادية، التي أسسها الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو عام 1995، باعتبارها أحد الأهداف الرئيسية للضغوط الأمريكية المقبلة. فهذه المجموعة تُعد العمود الفقري للاقتصاد الكوبي، إذ تسيطر، وفق تقديرات صحفية أمريكية، على نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي في الجزيرة، وتشرف على قطاعات حيوية تشمل محطات الوقود، والتحويلات المالية، والاتصالات، والمتاجر الكبرى، ومكاتب الصرافة. وترى واشنطن أن ضرب هذه المنظومة الاقتصادية قد يؤدي إلى شلل متزايد داخل الدولة الكوبية.

 

وتأتي هذه الضغوط في وقت تعاني فيه كوبا بالفعل من أزمة معيشية خانقة. فالجزيرة تشهد انقطاعات متكررة للكهرباء بسبب نقص الوقود، فيما يعاني قطاع النقل من شبه انهيار، إضافة إلى أزمات تخزين الغذاء وتراجع الخدمات الأساسية، الأمر الذي يفاقم حالة التذمر الشعبي ويزيد من الضغوط على الحكومة الكوبية.

 

الحصار الاقتصادي يقتل الجزيرة

 

وفي موازاة الحصار الاقتصادي، تُبقي الولايات المتحدة حضورها العسكري فاعلًا في منطقة الكاريبي عبر مناورات مشتركة مع عدد من دول المنطقة، بينها الأرجنتين وتشيلي وبنما، إضافة إلى البرازيل. ورغم أن هذه التدريبات تُقدَّم رسميًا باعتبارها مناورات روتينية، فإن توقيتها وتزامنها مع التصعيد السياسي ضد هافانا يثيران تساؤلات حول الرسائل الاستراتيجية التي تسعى واشنطن إلى توجيهها.

 

كما تصاعد الضغط السياسي والقانوني على القيادات الكوبية، بعدما أعادت إدارة ترامب إحياء قضية إسقاط طائرات منظمة “إخوان الإنقاذ” عام 1996، متهمة راؤول كاسترو بالمسؤولية عن الحادث الذي أدى إلى مقتل أربعة أشخاص، بينهم ثلاثة أمريكيين. غير أن واشنطن تجاهلت في المقابل الحديث عن الانتهاكات المتكررة للمجال الجوي الكوبي التي قامت بها تلك الطائرات آنذاك.

 

وتشير تقارير إعلامية أمريكية، أبرزها ما نشره موقع “أكسيوس”، إلى أن الإدارة الأمريكية تعمل على إعداد استراتيجية متكاملة لإضعاف النظام الكوبي تدريجيًا، عبر حرمان الجزيرة من مصادرها الاقتصادية الأساسية وتشديد العقوبات بصورة غير مسبوقة. وفي حين لا تبدو واشنطن مستعجلة حاليًا بسبب انشغالها بملفات دولية أخرى، فإنها تواصل تطوير أدوات ضغط جديدة، مع تفضيل واضح لخيار إسقاط النظام دون تدخل عسكري مباشر.

 

سيناريوهات متعددة توضع بوجه الجزيرة

 

ومع ذلك، لا تستبعد الولايات المتحدة سيناريو الفوضى داخل الجزيرة، وهو ما دفع القيادة الجنوبية الأمريكية إلى إجراء تدريبات مشتركة تحاكي احتمالات اندلاع مواجهات أو تنفيذ عمليات إنزال عسكري في كوبا إذا تطورت الأوضاع بشكل خطير. وبحسب التسريبات، فإن الإدارة الأمريكية ترى أن الأشهر المقبلة قد تكون حاسمة في تحديد مستقبل النظام الكوبي.

 

في المقابل، يرى خبراء روس ومتخصصون في شؤون أمريكا اللاتينية أن ما يجري يندرج ضمن سياسة الخنق الاقتصادي الطويلة التي تنتهجها واشنطن تجاه هافانا منذ عقود. ويعتبر نيكولاي كلاشنيكوف، مستشار مدير معهد أمريكا اللاتينية في الأكاديمية الروسية للعلوم، أن الحديث عن عمل عسكري مباشر لا يزال مستبعدًا، لكنه يؤكد أن التهديدات العسكرية بحد ذاتها تشكل أداة ضغط إضافية تستنزف الدولة الكوبية.

 

فإن مجرد احتمال التعرض لعمل عسكري يفرض على كوبا رفع جاهزية قواتها المسلحة وميليشياتها، ما يعني تخصيص موارد مالية إضافية في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة اقتصادية خانقة. ووفق تقديره، فإن هذا الاستنزاف العسكري ينعكس مباشرة على الاقتصاد الوطني ويُضعف قدرة الحكومة على الاستثمار في القطاعات الحيوية وتحسين الظروف المعيشية للسكان.

 

بالنهاية، يستبعد الخبراء تكرار سيناريوهات مشابهة لما حدث في دول أخرى بأمريكا اللاتينية، مؤكدين أن المؤسسة العسكرية الكوبية لا تزال متماسكة وتمتلك قدرة كبيرة على حماية النظام. كما حذروا من أن أي تدخل عسكري أمريكي محتمل قد يتحول إلى مواجهة دموية ومكلفة، خاصة في ظل التصريحات الصادرة عن الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، الذي أكد أن أي محاولة لغزو الجزيرة ستتحول إلى “حمام دم للأمريكيين”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى