خبر عاجلمقالات

“البيت الشيعي العراقي إلى أين؟” – محمد المشهداني 

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

“البيت الشيعي العراقي إلى أين؟” – محمد المشهداني

 

 

 

محمد المشهداني _ مناشير

 

منذ عقدين شكل ما يعرف في البيت الشيعي العمود الفقري للنظام السياسي العراقي لم يكن هذا البيت حزبا واحدا ولا تيارا موحدا بل هو مظلة واسعة ضمت قوى دينية وسياسية و فصائل وحركات إجتماعية إجتمعت على هدف إسقاط النظام البعث وبناء نظام جديد ثم سرعان ما تحولت إلى قوى متنافسة على السلطة والنفوذ والثروة واليوم بعد أكثر من عقدين يواجه هذا البيت أكبر أختبار في تأريخه ليس بسبب خصومه السياسيين وإنما بفعل الأنقسامات و الخلافات الداخلية.

 

و إن السؤال الحقيقي هنا هل يبقى البيت الشيعي متماسكا؟. و هل ما زال هناك بيت شيعي بالمعنى السياسي التقليدي؟

 

لقد تغيرت المعادلة في العراق بصورة جذرية ففي السنوات الأولى بعد العام 2003، كان التهديد الأمني والصراع الطائفي عاملين يجبران القوى الشيعية على الحفاظ على الحد الأدنى من الوحدة و لكن بعد هزيمة تنظيم داعش الإرهابي وتراجع خطر الحرب الأهلية وأنخفاض مستوى التهديد الوجودية بدأت التناقضات القديمة تظهر إلى السطح وتحولت المنافسة من مواجهة الخارج إلى الصراع داخل البيت نفسه.

 

و يمكن القول إن الأنقسام الشيعي الحالي ليس إنقساما عقائديا بل هو صراع على ثلاثة ملفات رئيسية _ الإدارة والسلطة والسلاح والأقتصاد.

 

فإن السلطة أصبحت موزعة بين مراكز متعددة ولم تعد الحكومة وحدها مركز القرار وهناك أحزاب تمتلك قواعد جماهيرية وفصائل تمتلك قوة عسكرية وشخصيات تمتلك نفوذا دينيا و إجتماعيا وكل طرف يحاول تثبيت موقعه في معادلة الحكم.

 

و أما السلاح فقد بقي الملف الأكثر حساسية فوجود تشكيلات مسلحة خارج المنظومة العسكرية التقليدية خلق واقعا سياسيا جديدا حيث أصبحت القوة العسكرية عنصرا مؤثرا في التفاوض السياسي وأحيانا في رسم موازين القوى بين الفرقاء داخل البيت الشيعي نفسه.

 

وفي الجانب الأقتصادي أصبحت الدولة المورد الأكبر للصراع حيث أن الأقتصاد الريعي المعتمد على النفط والغاز جعل مؤسسات الدولة مصدرا للنفوذ المالي وبالتالي أصبحت الوزارات والهيئات والمنافذ الحدودية والشركات الحكومية ساحات تنافس أكثر منها مؤسسات خدمية ومن هنا يمكن فهم سبب كثرة الأزمات الحكومية رغم أن غالبية القوى المشاركة فيها تنتمي إلى البيئة السياسية ذاتها.

 

و لكن التحول الأخطر لا يكمن في الأنقسامات التنظيمية وإنما في التحول داخل المجتمع الشيعي نفسه فإن الأجيال الجديدة لم تعد تنظر إلى الإنتماء الطائفي بأعتباره المحدد الأول للموقف السياسي بل أصبحت تقيس نجاح أي قوة بقدرتها على توفير فرص العمل والخدمات ومحاربة الفساد وحماية السيادة الوطنية و لقد أظهرت إحتجاجات تشرين أن جزءا واسعا من الجمهور الشيعي مستعد للاعتراض على القوى التي يراها مسؤولة عن الإخفاق حتى وإن كانت تنتمي إلى بيئته المذهبية.

 

وهذه نقطة مفصلية في تطور الحياة السياسية العراقية حيث أن الشرعية التي كانت تبنى سابقا على التأريخ الجهادي أو المعارضة للنظام البعث أصبحت اليوم مرتبطة أكثر بالأداء الحكومي والكفاءة الإدارية وفي المقابل تواجه القوى الشيعية تحديا آخر يتمثل في العلاقة مع المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف .

 

حيث أن المرجعية الدينية في النجف الأشرف حافظت طوال السنوات الماضية على مسافة واضحة من القوى و الأحزاب وركزت على دعم الدولة وعدم الأنحياز إلى أي طرف سياسي وهذا الموقف جعلها عنصر توازن و لكنه في الوقت نفسه ترك القوى السياسية تتحمل وحدها مسؤولية نجاحها أو فشلها أمام الرأي العام.

 

وكما أن البيئة الإقليمية تغيرت بصورة كبيرة فإن العراق لم يعد يتحرك في فضاء إقليمي مستقر بل أصبح جزءا من شبكة معقدة من التنافس بين الولايات المتحدة الأميركية و الجمهورية الإسلامية الإيرانية إضافة إلى تنامي أدوار تركيا ودول الخليج و الدول العربية وتداعيات الحرب في قطاع غزة والتوترات الممتدة في المنطقة وهذا يعني أن القرار السياسي داخل البيت الشيعي العراقي لم يعد محليا في الكامل بل يتأثر بأستمرار وفي المتغيرات الإقليمية والدولية.

 

 

ومع ذلك فإن العامل الخارجي لا يستطيع وحده تفسير كل ما يجري حيث أن الأنقسامات الحالية تعكس أيضا إختلافا في الرؤى بشأن مستقبل الدولة العراقية و هناك من يرى أن الأولوية هي تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية وهناك من يعتقد أن الظروف الإقليمية ما تزال تفرض الإبقاء على معادلات القوة الحالية و هناك تيار ثالث يحاول الجمع بين الأمرين دون أن يمتلك صيغة عملية واضحة.

 

وفي ظل هذه المعادلات يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل البيت الشيعي العراقي.

 

السيناريو الأول _ هو إستمرار الوضع الحالي و أي بقاء التحالفات المرنة التي تتغير من أنتخابات إلى أخرى مع إستمرار الخلافات دون الوصول إلى صدام شامل وهذا السيناريو يبدو الأكثر أحتمالا على المدى القريب لأنه يحقق حدا أدنى من الإستقرار السياسي.

 

السيناريو الثاني _ فهو إعادة تشكيل البيت الشيعي على أسس جديدة بحيث تنشأ كتل سياسية أقل عددا وأكثر وضوحا في برامجها مع أنتقال المنافسة من الإنتماءات التقليدية إلى المشاريع السياسية والأقتصادية.

 

السيناريو الثالث _ وهو الأقل أحتمالا و لكنه الأكثر خطورة فيتمثل في أنتقال الخلافات السياسية إلى مواجهات أمنية واسعة وهو سيناريو تدرك جميع الأطراف كلفته العالية و لذلك تحاول تجنبه رغم حدة التوترات.

 

رفي النهاية يبدو أن مفهوم البيت الشيعي الذي حكم العراق خلال العقدين الماضيين يمر بمرحلة إعادة تعريف و قد أنتهت مرحلة الوحدة القائمة على الضرورات وبدأت مرحلة التنافس على إدارة الدولة.

 

والسؤال الأهم من الذي سيحدد مستقبل هذا البيت ليس من يمتلك القوة الأكبر بل من يستطيع تقديم نموذج حكم أكثر كفاءة وأكثر قدرة على أستعادة ثقة الشارع.

 

إن التجربة العراقية أثبتت أن الأحتفاظ في السلطة لا يتحقق فقط عبر التحالفات السياسية وإنما عبر بناء مؤسسات قوية وأقتصاد منتج وقضاء مستقل وإدارة ناجحة للدولة وكلما تأخر تحقيق هذه الشروط أزداد الضغط الشعبي و أتسعت فجوة الثقة بين المواطن والنخبة الحاكمة ولهذا فإن مستقبل البيت الشيعي لن يحسم داخل غرف التفاوض وحدها بل سيحسم في قدرة القوى و الأحزاب السياسية على التحول من منطق إدارة التوازنات إلى منطق بناء الدولة فإذا نجحت في ذلك فإنها ستؤسس لمرحلة جديدة من الإستقرار و أما إذا بقيت أسيرة الحسابات الفئوية والصراعات الداخلية فإن مفهوم البيت الشيعي نفسه قد يتحول من عنوان جامع إلى مجرد وصف لتأريخ سياسي مضى و بينما تتشكل على أنقاضه معادلات عراقية جديدة تتجاوز الأصطفافات التقليدية _ الكلاسيكية نحو منافسة تقوم على الأداء والبرامج والشرعية و الشعبية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى