خبر عاجلدولياتسياسة

الاشتباك السوري مع المهاجرين الفرنسيين: دروس من تجربة البوسنة..! 

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365
الاشتباك السوري مع المهاجرين الفرنسيين: دروس من تجربة البوسنة..!
د. خالد العزي / مناشير
الاشتباك الأخير في منطقة حارم بإدلب بين قوات الأمن السوري و”المهاجرين الفرنسيين” أثار موجة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، مع تباين الآراء حول أبعاد الحادثة وتأثيراتها على الوضع الداخلي السوري. هذه الاشتباكات، التي وقعت في مخيم “الفردان” بقيادة “عمر ديابي” المعروف بـ “أومسن”، سلطت الضوء على تحديات التعامل مع المقاتلين الأجانب بعد انتهاء الحرب. في هذا السياق، يمكن الاستفادة من تجربة البوسنة بعد حربها الأهلية، حيث قدمت القيادة البوسنية نموذجًا حكيمًا في كيفية التعامل مع المقاتلين الأجانب والمحليين الذين شاركوا في القتال ضد قوات الصرب.
بدأت الحادثة عندما تلقت وزارة الداخلية السورية شكاوى من أهالي المخيم في منطقة حارم حول انتهاكات جسيمة، من أبرزها حادثة اختطاف فتاة على يد مجموعة مسلحة يقودها “ديابي”. على إثر ذلك، اتخذت قوات الأمن السوري إجراءات لتطويق المخيم، لكن المقاتلين في المخيم رفضوا تسليم أنفسهم، مما أدى إلى اندلاع اشتباكات عنيفة. المقاتلون في المخيم بدأوا بإطلاق النار على قوات الأمن، ما تسبب في تصاعد التوتر في المنطقة.
وفي بيان صادر عن وزارة الداخلية السورية، أكدت السلطات أن قوات الأمن حاولت التفاوض مع زعيم المجموعة المسلحة “ديابي”، ولكن تم رفض ذلك. وأضاف البيان أن المقاتلين في المخيم كانوا يستخدمون المدنيين كدروع بشرية، مما دفع الحكومة إلى تحمل مسؤولية حماية المدنيين واتخاذ إجراءات حاسمة للحفاظ على الأمن في المنطقة.
تباينت المواقف والآراء حيال الحادثة على النحو التالي:
تباينت المواقف والآراء حيال الحادثة بشكل ملحوظ، حيث تركزت النقاشات حول عدة جوانب، فكان هناك من يدافع عن الإجراءات الحكومية ويؤكد على ضرورة تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، بينما اعتبر آخرون أن ما حدث يمثل استمرارية لخطاب النظام في التعامل مع المقاتلين الأجانب بشكل قاسٍ، في حين أبدى البعض تعاطفًا مع هؤلاء المقاتلين، مشيرين إلى أنهم جاؤوا إلى سوريا دعمًا للقضية.”
1-الموقف الرسمي:في رد الحكومة السورية، شدد مستشار الرئيس لشؤون الإعلام، أحمد زيدان، على أن المشكلة لا تكمن في كون المقاتلين “مهاجرين أجانب”، بل في مخالفتهم للقانون السوري. وأكد أن أي شخص يخرق القانون، سواء كان سوريًا أو أجنبيًا، سيواجه نفس المعاملة القانونية، مشيرًا إلى أن سوريا هي دولة قانون.
2- الآراء المعارضة: رغم الموقف الرسمي، كانت هناك أصوات معارضة ترى أن هذه الحادثة تمثل استمرارًا لخطاب النظام السوري الذي لطالما وصف معارضيه بأنهم “خارجون عن القانون” أو “إرهابيون”. هؤلاء المنتقدون اعتبروا أن نفس التوصيفات تُستخدم الآن ضد المقاتلين الذين جاءوا لدعم الثورة السورية، مما يثير تساؤلات حول مدى تغيير الخطاب السياسي للنظام.
3- تعاطف مع المهاجرين:من جهة أخرى، عبر بعض المعلقين على منصات التواصل الاجتماعي عن تعاطفهم مع المقاتلين الأجانب، معتبرين أنهم جاؤوا إلى سوريا لدعم القضية السورية. واعتبر هؤلاء أن التفاعل مع هؤلاء المقاتلين يجب أن يتم بحذر ودبلوماسية، بحيث لا يؤدي إلى مزيد من الانقسامات التي قد تعيق عملية بناء الدولة بعد الحرب.
التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي
أثارت الحادثة جدلاً واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر البعض أنها قضية جنائية بحتة تتعلق بخلافات داخل الجالية الفرنسية في المخيم، بينما رأى آخرون أن الحادثة مرتبطة بالصراع الأكبر في سوريا، وأن المهاجمين قد يكونون جزءًا من أجندات إقليمية أو دولية تهدف إلى زعزعة استقرار البلاد.
الدروس المستفادة من تجربة البوسنة
في مثل هذه الحالات المعقدة، قد يكون من المفيد النظر إلى تجارب مشابهة لحل مشكلات مشابهة. تجربة البوسنة بعد الحرب الأهلية تقدم درسًا مهمًا في كيفية التعامل مع المقاتلين الأجانب والمحليين الذين شاركوا في القتال ضد قوات الصرب. ففي البوسنة، وبعد اتفاق ديتون الذي أنهى الحرب، كان أمام القيادة البوسنية تحديًا كبيرًا في التعامل مع المقاتلين الذين جاؤوا من دول متعددة لدعم المجاهدين البوسنيين.
 وهنا لابد من ان تذكر موقف للرئيس الأول للبوسنة، علي عزت بيغوفيتش،  الذي قدّم استراتيجية حكيمة في معالجة هذا التحدي. في خطابه الشهير  بعد انتهاء الحرب ،  حيث عرض بيغوفيتش ثلاث خيارات للمجاهدين الأجانب الذين شاركوا في القتال ضد الصرب:
-الاندماج في الحياة المدنية: مع ضمان تأمين حياة كريمة وفرص عمل وبناء أسر ضمن دولة حديثة.
-مغادرة البلاد: لمن يرغب في العودة إلى وطنه مع تكريمٍ وتقدير لما قدموه.
-نزع السلاح بالقوة: لمن يرفض الخيارين السابقين، وذلك لحماية أمن الدولة وضمان وحدة البوسنة.
كان الهدف من هذه الخيارات هو تقليل تأثير الميليشيات على الدولة، وتحويل المقاتلين إلى مواطنين صالحين في المجتمع البوسني، بما يتماشى مع مرحلة بناء الدولة بعد الحرب.
الفرق بين المقاتلين السوريين والمهاجرين الأجانب
هنا يبرز الفارق الأساسي بين المقاتلين السوريين والمهاجرين الأجانب. فالمقاتلون السوريون ينظرون إلى تحرير سورية من النظام السابق على أنه انتصار في معركة وطنية، وهم يتطلعون إلى بناء دولة مدنية مستقرة. بينما العديد من المهاجرين الأجانب الذين جاءوا لدعم الثورة السورية يرون النصر على أنه غنيمة حربية يجب ان  تم اقتسامها والاستفادة منها، وهو ما قد يؤدي إلى تحويل النصر إلى فرصة لتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية. هذا التفكير يشير إلى فكر ميليشياوي يسعى إلى تقاسم “الغنيمة” بدلاً من بناء دولة سيادة قانون، مما قد يؤدي إلى زيادة الانقسامات بين المجموعات داخل سوريا.
قد يؤدي هذا التفاوت في التصورات حول النصر إلى توترات بين المقاتلين السوريين الذين يرون أن النصر يجب أن يُترجم إلى بناء دولة قانون ومؤسسات، وبين المهاجرين الأجانب الذين قد يسعون إلى تقسيم الأرض والثروات وفقًا لمصالحهم الخاصة، مما يهدد الوحدة الوطنية ويؤثر سلبًا على العلاقات بين أطياف المجتمع السوري.
الدرس لسوريا الجديدة
الدرس الذي يمكن أن تستفيد منه الحكومة السورية واضحًا: يجب أن تتبنى نهجًا مشابهًا في التعامل مع المقاتلين الأجانب الذين قاتلوا إلى جانبها ضد النظام السابق. يجب أن تعرض الحكومة السورية خيارات عملية للمقاتلين: إما دمجهم في الحياة المدنية، أو السماح لهم بالعودة إلى بلدانهم مع تكريمهم، أو اتخاذ إجراءات أمنية ضد من يرفضون هذه الخيارات. هذه الخطوات يجب أن تتم ضمن إطار قانوني يضمن احترام حقوق الجميع ويعزز من سيادة الدولة.
إن مثل هذه القرارات يجب أن تُتخذ بحذر ودراسة، مع الحفاظ على وحدة الدولة واستقرارها. الحكومة السورية يجب أن تقدم خطابًا موحدًا يعكس المصلحة الوطنية العامة، بعيدًا عن الخطاب السياسي الذي قد يخلط بين الاعتراف بالجميل للمقاتلين وبين ضرورة فرض النظام وقانون الدولة.
في النهاية، تمثل هذه الحادثة اختبارًا للحكومة السورية في كيفية التعامل مع المقاتلين الأجانب في مرحلة ما بعد الحرب. دروس البوسنة توفر خارطة طريق في كيفية الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة بناء الدولة. الحكومة السورية بحاجة إلى تبني نهجٍ متوازن يجمع بين العرفان بالجميل للمقاتلين وبين ضمان استقرار الدولة في مواجهة تحديات الميليشيات والتقسيمات العسكرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى