خبر عاجلسياسة

اتفاقية مكة ومستقبل الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط: بين التحولات الأمنية وتحديات التوازن

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

اتفاقية مكة ومستقبل الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط: بين التحولات الأمنية وتحديات التوازن

بقلم: وائل خليل ياسين

رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية

استشاري وخبير متخصص في بحوث سياسات مجلس الدولة الصيني لشؤون غرب آسيا وشمال أفريقيا

 

يشهد الشرق الأوسط مرحلة إعادة تقييم عميقة لمفهوم الأمن الإقليمي، في ظل تحولات متسارعة في البيئة الدولية والإقليمية، وتغير طبيعة التحديات التي تواجه دول المنطقة. فقد أظهرت السنوات الماضية أن المعادلات الأمنية التقليدية القائمة على الاعتماد الكامل على القوى الخارجية لم تعد قادرة وحدها على توفير الاستقرار أو منع تصاعد الأزمات، الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى البحث عن صيغ جديدة تعزز قدرتها على حماية مصالحها وإدارة بيئتها الأمنية.

 

ضمن هذا السياق، تأتي اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان باعتبارها تطوراً يستحق الدراسة والتحليل، ليس فقط من زاوية طبيعتها الدفاعية، وإنما من خلال الأسئلة التي تطرحها حول مستقبل الأمن في الشرق الأوسط: هل تمثل محاولة لتعزيز قدرة دول المنطقة على إدارة أمنها بصورة أكبر؟ أم أنها قد تتحول، إذا اتخذت مساراً مختلفاً، إلى جزء من منطق الاستقطاب والتنافس الذي لطالما كان أحد أسباب هشاشة البيئة الأمنية الإقليمية؟

 

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا ترتبط بالاتفاقية في حد ذاتها فقط، بل بالمسار الذي ستتخذه، وطبيعة المبادئ التي ستقوم عليها، ومدى قدرتها على التعامل مع تعقيدات المنطقة وتنوع مصالح دولها.

 

دوافع مختلفة ضمن إطار واحد

 

تأتي حسابات السعودية في إطار بيئة أمنية شهدت خلال السنوات الماضية تصاعداً في مصادر التهديد. فقد كشفت الهجمات التي استهدفت منشآت بقيق وخريص عام 2019 عن حدود الاعتماد الكامل على الترتيبات الأمنية التقليدية، ودفعت الرياض إلى البحث عن خيارات أكثر تنوعاً تجمع بين الشراكات الدولية وتعزيز القدرات الإقليمية.

 

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الاتفاقية باعتبارها جزءاً من توجه نحو تعزيز الردع، لكنها لا تعني بالضرورة أنها موجهة حصراً ضد طرف محدد، إذ ترتبط أيضاً برغبة في بناء قدرة أكبر على التعامل مع بيئة إقليمية متغيرة.

 

أما تركيا، فإن رؤيتها للأمن الإقليمي تختلف في بعض جوانبها عن الرؤية السعودية. فأنقرة لا تتعامل مع إيران باعتبارها خصماً مباشراً، بل ضمن علاقة مركبة تجمع بين المنافسة والتعاون، ولذلك فإن مشاركتها في أي ترتيبات أمنية ترتبط بحسابات أوسع تتعلق بتوازن القوى، وحماية المصالح الوطنية، والتعامل مع التحولات الجيوسياسية في المنطقة.

 

وبالنسبة لباكستان، فإن أولوياتها الأمنية ترتبط بصورة أساسية بالبيئة الاستراتيجية في جنوب آسيا، وفي مقدمتها علاقتها مع الهند، إضافة إلى أهمية الحفاظ على الاستقرار مع إيران بحكم الجغرافيا والمصالح المشتركة. ولذلك فإن مشاركتها لا تعني بالضرورة انخراطها في سياسة مواجهة مع طهران.

 

وهذا يوضح أن الدول الثلاث لا تتحرك من منطلق واحد، وأن الاتفاقية لا يمكن اختزالها بسهولة باعتبارها “محوراً سنياً” في مواجهة إيران، لأن المصالح الوطنية والحسابات الاستراتيجية لكل دولة تلعب دوراً أساسياً في تحديد مواقفها.

 

بين تنويع الأمن وتشكيل المحاور

 

كما أن اتفاقية مكة لا تعني بالضرورة بديلاً عن الولايات المتحدة أو نهاية دورها في المنطقة. فمن الممكن النظر إليها ضمن اتجاه أوسع نحو تنويع مصادر الأمن، بحيث تسعى الدول إلى توسيع خياراتها بدلاً من الارتهان إلى ترتيبات أمنية أحادية.

 

لكن في المقابل، فإن أي ترتيبات أمنية جديدة تواجه اختباراً أساسياً: هل ستسهم في بناء توازن إقليمي أم ستعيد إنتاج منطق المحاور؟

 

فالتجارب التاريخية في الشرق الأوسط أظهرت أن الترتيبات التي تقوم أساساً على مواجهة خصم مشترك قد تؤدي أحياناً إلى زيادة الاستقطاب بدلاً من تحقيق الاستقرار. ولذلك فإن القيمة الحقيقية لأي منظومة أمنية مستقبلية ستتحدد بقدرتها على إدارة الخلافات ومنع تحول المنافسة إلى صراع.

 

وتأتي هذه التطورات في ظل انتقال النظام الدولي نحو مزيد من التعددية، حيث تسعى العديد من الدول المتوسطة والإقليمية إلى توسيع هامش استقلالية قرارها، من خلال بناء شراكات متعددة بدلاً من الارتهان إلى ترتيبات أمنية أحادية. وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأساسي ليس حول هوية التحالفات الجديدة فقط، بل حول قدرتها على الإسهام في بناء نظام أكثر توازناً واستقراراً.

 

الرؤية الصينية في سياق النقاش حول الأمن الإقليمي

 

إن مناقشة أي ترتيبات أمنية جديدة في الشرق الأوسط لا تقتصر على أطرافها المباشرة، بل تأتي ضمن نقاش دولي أوسع حول طبيعة النظام الأمني الذي يمكن أن يحقق استقراراً مستداماً في المنطقة.

 

وفي هذا السياق، تبرز بعض المبادئ التي طرحتها الصين بشأن أمن الشرق الأوسط، ومنها أهمية الحوار، واحترام سيادة الدول، وتشجيع دول المنطقة على لعب دور أكبر في إدارة شؤونها الأمنية، بعيداً عن منطق المواجهة والصراعات الصفرية.

 

وقد ركزت المبادرة ذات النقاط الخمس التي طرحها وزير الخارجية الصيني وانغ يي بشأن أمن واستقرار الشرق الأوسط على أهمية معالجة المخاوف الأمنية لجميع الأطراف، وتعزيز الحوار، والبحث عن ترتيبات أكثر شمولاً واستدامة.

 

ولا يعني ذلك أن اتفاقية مكة تمثل امتداداً لهذه الرؤية أو تعبيراً عنها، لكنها تطرح أسئلة تتقاطع مع النقاش الأوسع حول مستقبل الأمن الإقليمي. فإذا اتجهت الاتفاقية نحو بناء آليات تعاون وحوار، وحافظت على طابع غير إقصائي لا يستهدف دولة بعينها، فقد تنسجم مع بعض الاتجاهات الدولية الداعية إلى أمن إقليمي أكثر استقلالية وشمولاً، ومن ضمنها بعض المبادئ التي طرحتها الصين حول أمن الشرق الأوسط.

 

أما إذا تحولت إلى إطار قائم على الاصطفاف والمواجهة، فإنها ستكون أقرب إلى نماذج التحالفات التقليدية التي لم تؤدِ تاريخياً إلى استقرار دائم في المنطقة.

 

نحو استقلالية استراتيجية وصيغة جديدة من عدم الانحياز

 

في ظل التحولات الجارية في النظام الدولي، قد تبرز الحاجة إلى مفهوم جديد من الاستقلالية الاستراتيجية لدول المنطقة، لا يقوم على الانعزال أو قطع العلاقات مع القوى الكبرى، بل على الحفاظ على مساحة من التوازن تسمح للدول بإدارة مصالحها بعيداً عن الانخراط في صراعات الآخرين.

 

ومن هذا المنظور، يمكن أن تطرح مثل هذه الترتيبات نقاشاً حول إمكانية ظهور صيغة جديدة من عدم الانحياز، تختلف عن تجربة القرن العشرين، لكنها تشترك معها في هدف أساسي: منع تحول الدول والمناطق إلى ساحات للتنافس بين القوى الكبرى.

 

فالشرق الأوسط، بدلاً من أن يكون نقطة احتكاك بين القوى المتنافسة، يمكن أن يصبح مساحة للحوار وتقريب وجهات النظر والتعاون، إذا نجحت دوله في بناء ترتيبات تقوم على التوازن لا على الاستقطاب.

 

لكن تحقيق ذلك يتطلب أن تكون أي منظومة أمنية مستقبلية مفتوحة على الحوار، وقادرة على استيعاب اختلافات المنطقة، لا أن تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسامات.

 

الخاتمة

 

إن اتفاقية مكة للدفاع المشترك تعكس جانباً من التحولات التي يشهدها التفكير الأمني في الشرق الأوسط، لكنها لا تزال بحاجة إلى اختبار عملي لتحديد طبيعتها ودورها الحقيقي في المعادلة الإقليمية.

 

فالحكم على أي ترتيبات أمنية لا يجب أن يكون فقط من خلال أطرافها أو لحظة تأسيسها، وإنما من خلال نتائجها وطريقة تعاملها مع بقية دول المنطقة.

 

فإذا تطورت الاتفاقية باتجاه تعزيز التعاون، وإدارة المخاطر المشتركة، وفتح المجال أمام توازن إقليمي أكثر استقراراً، فقد تسهم في تطوير نقاش جديد حول مستقبل الأمن في المنطقة. أما إذا اتخذت مساراً يقوم على تشكيل محور مغلق أو مواجهة طرف محدد، فقد تصبح عاملاً إضافياً في تعميق الاستقطاب.

 

لذلك فإن مستقبل الاتفاقية سيعتمد على قدرتها على تجاوز منطق التحالفات التقليدية، والتحول من مجرد ترتيبات دفاعية إلى مقاربة أوسع لإدارة الأمن الإقليمي.

 

إن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد فقط بوجود ترتيبات أمنية جديدة، بل بقدرة دول المنطقة على صياغة قواعد تضمن التوازن، وتمنع الهيمنة، وتسمح بإدارة الاختلافات بعيداً عن الصدام.

 

الخلاصة

 

لا يمكن اختزال اتفاقية مكة باعتبارها تحالفاً ضد دولة بعينها، كما لا يمكن اعتبارها تلقائياً نموذجاً جديداً للأمن الإقليمي. فقيمتها الاستراتيجية ستتحدد وفق مسارها، وطبيعة المبادئ التي ستقوم عليها، ومدى قدرتها على الانتقال من منطق الردع المحدود إلى إدارة أوسع للتوازنات الأمنية.

 

فإذا قامت على الحوار، وعدم الإقصاء، واحترام مصالح مختلف الأطراف، فقد تنسجم مع الاتجاهات الداعية إلى أمن إقليمي أكثر استقلالية وشمولاً، بما في ذلك بعض المبادئ التي طرحتها الصين وغيرها من القوى الداعية إلى تعزيز التوازن والحوار في العلاقات الدولية. أما إذا تحولت إلى أداة للاستقطاب، فإنها قد تعيد إنتاج التحديات نفسها التي واجهتها المنطقة لعقود.

 

ولهذا فإن الحكم النهائي على اتفاقية مكة لن يكون من خلال لحظة إعلانها، بل من خلال قدرتها على الإسهام في بناء توازن إقليمي أكثر استقراراً، أو عدم قدرتها على ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى