خبر عاجلسياسةمقالات

“أنطوان صحناوي”… من هندسات المال إلى هندسة التطبيع؟.. هل نحن أمام ولادة «عرّاب» جديد لدولة الكارتيلات؟ – اسامة القادري

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

“أنطوان صحناوي”… من هندسات المال إلى هندسة التطبيع؟.. هل نحن أمام ولادة «عرّاب» جديد لدولة الكارتيلات؟ – اسامة القادري

اسامة القادري – مناشير

ليست الصورة التي جمعت أنطوان صحناوي ببنيامين نتنياهو في واشنطن مجرد صورة عابرة، ولا تسريبها امر صدفة، ولا يمكن التعامل معها كأنها تفصيل اجتماعي لا قيمة سياسية لها.

فالرجل لم يكن جالساً في مطعم عشوائي إلى جانب شخصية إسرائيلية عابرة. كان في عشاء أقيم في واشنطن بحضور رئيس حكومة الاحتلال، واستضافه صحناوي بالاشتراك مع زوجته الجديدة مورغان أورتاغوس وما ادرى اللبنانيين باورتاغوس وموقفها العدائي تجاه لبنان، وبمشاركة شخصيات سياسية أميركية نافذة. وبعد انتشار الصورة، تحرك القضاء اللبناني وأصدر بلاغ بحث وتحر بحق صحناوي لمخالفة القوانين المتعلقة بالتعامل مع إسرائيل.

إذاً، الصورة ليست حكماً قضائياً.

لكنها أيضاً ليست بلا دلالة، لأن تصبح “جريمة” موثقة بالصورة، لذا لا يمكن ان تمر مرور الكرام والاكتفاء ببحث وتحرٍ لا مذكرة توقيف وتحقيق شفاف ومحاكمة كما باقي المتصلين بالعدو. فيتحول البحث والتحرٍ الى حبر على ورق.

خاصة ان صحناوي المتهم بالعمالة هو ايضاً متهم بسرقة عرق وتعب اللبنانيين المودعين، هنا تصبح الدولة وخاصة القضاء اللبناني امام امتحان يحدد مدى جدية اتخاذ القرار بعيدا عن الاملاءات السياسية.

فالسؤال الذي يجب أن يطرح بصوت أعلى هو: لماذا لم ينفذ بحقه مذكرة توقيف؟ وهل القصد من وراء ذلك ان يتحول التعامل مع العدو الى امر عادي لا يحاسب عليه القانون، تمهيداً للتطبيع فوق دماء اللبنانيين ورغم الاحتلال والاعتداءات واستباحة الارض والدماء.

صحناوي ليس رجل أعمال مجهولاً ظهر فجأة في المشهد. إنه مصرفي يقف منذ سنوات عند تقاطع المال والنفوذ والعلاقات الدولية، وارتبط اسمه بالقطاع المصرفي اللبناني وبالمرحلة التي سبقت الانهيار المالي.

هذا ما يجعل المسألة أكثر خطورة، لأن اللبناني الذي خسر مدخراته وتعب عمره يريد أن يعرف ماذا جرى في السنوات التي سبقت الانهيار، ومن استفاد من هندسات المال، ومن تمكن من حماية مصالحه في الوقت الذي كان فيه المودع العادي يتحول إلى رهينة داخل المصارف؟ لنصل إلى السؤال الأخطر: هل ينتقل بعض أصحاب النفوذ في لبنان من هندسة المال إلى هندسة السياسة؟

وهل يتحول المصرفي إلى لاعب سياسي من خلف الستار؟ وبذلك يصبح رجل الأعمال الذي يملك علاقات واسعة في واشنطن وتل ابيب قادراً على لعب دور في تحديد شكل لبنان المقبل.

فالتطبيع، إذا أراد أحد تمريره في لبنان، لن يكون بالضرورة داخل “كادر” الصورة الكلاسيكية التي يتخيلها الناس

وماذا لو أن هذا الدور كان مرتبطاً بالمرحلة التي ستلي الحرب، أي عندما تبدأ عملية إعادة الإعمار وإعادة ترتيب الاقتصاد والعلاقات الخارجية؟

فالتطبيع، إذا أراد أحد تمريره في لبنان، لن يكون بالضرورة داخل “كادر” الصورة الكلاسيكية التي يتخيلها الناس.

ربما لن يأتي أحد ليقول للبنانيين غداً: «فلنطبّع مع إسرائيل»، فقد تكون اللعبة أكثر ذكاءً، حيث يبدأ الأمر بـإعتماد لعبة السياسة «الواقعية»، والرضوخ للأمر الواقع، ثم «المصالح الاقتصادية»، ثم ورقة «إعادة الإعمار»، مقابل «فتح الأسواق»، و «الاستثمارات الدولية» و «التعاون الإقليمي»، ثم يصبح كل من يعترض على المسار متّهماً بالتخلف والخطاب الخشبي وربما نصل الى اتهامه بالخيانة العظمى بذريعة أنه يريد إبقاء لبنان فقيراً ومعزولاً.

هكذا يتحول التطبيع من قرار سياسي إلى ضرورة اقتصادية، وهذه أخطر طريقة لتمريره. لأن المعاهدة يمكن رفضها.

أما عندما يصبح التطبيع ملفاً اقتصادياً، وتصبح معه الوعود بالأموال وبالاستثمارات وبإعادة الإعمار وبحل قضية الودائع، يصبح رفضه أكثر صعوبة، فيتم اقراره من مال وتعب وعرق ووجع اللبنانيين وعلى حسابهم.

جوهر الخطر أن تتحول الدولة من صاحب قرار إلى متلقٍ لشروط، وفي واقع الحال التطبيع لن ينفع لبنان اقتصاديا ولن يحل مشكلة الودائع ولن يقضي على الفقر، فاسرائيل كيان قائم على الاغتصاب والاحتلال لن يأتي بالمن والسلوى بل يأتي بمزيد من التبعية لصالح ” شعب الله المختار”…

فمن خلال الشبكة التي يؤسسها الصحناوي وأمثاله، بين المال والاعلام والامساك بالدولة عبر اساليب غير مباشرة تأخذ البلاد لأن يصبح القرار السياسي تابعاً للقرار المالي.

وأن يصبح القرار الاقتصادي تابعاً لمراكز النفوذ الخارجية.

وتحويل وسائل الإعلام إلى أدوات لتسويق «الواقعية».

لأن يُطلب من اللبناني أن ينسى الاحتلال والاعتداءات والدماء، على اعتبارهم أن «المرحلة المقبلة تحتاج إلى سياسة واقعية”،

وهذا يأخذنا الى الحديث عن «الدولة العميقة» في لبنان، كي لا تبقى محصورة في الأجهزة أو الأحزاب.

وهنا تصبح «الكارتيلات» أخطر من الأحزاب التقليدية.

كارتيل مالي.

كارتيل إعلامي.

كارتيل سياسي.

كارتيل دولي.

وعندما تتشابك هذه الكارتيلات، يصبح المواطن مجرد متلقٍ للقرارات.

يدفع ثمن الانهيار.

ثم يدفع ثمن إعادة الإعمار.

ثم يُطلب منه أن يصفق لمن هندس المرحلة الجديدة.

وهنا تحديداً يجب ألا يُسمح بتكرار التجربة.

لبنان لا يحتاج إلى نسخة جديدة من النظام نفسه بأسماء جديدة.

ولا يحتاج إلى «منقذين» يخرجون من المصارف والشركات ومراكز النفوذ ليخبروا اللبنانيين أن الخلاص يمر عبرهم.

ولا يحتاج إلى أن تتحول خسارة المودعين إلى فرصة لإعادة توزيع النفوذ على أصحاب الرساميل.

ولا يحتاج إلى أن تتحول إعادة الإعمار إلى بوابة لإعادة تركيب الدولة وفق مصالح الخارج.

ومن هنا، فإن قضية أنطوان صحناوي يجب ألا تختزل في صورة مع نتنياهو.

الصورة فتحت الباب.

أما المطلوب فهو فتح الملفات.

فتح ملف العلاقة مع إسرائيل.

فتح ملف العمليات المالية التي سبقت الانهيار.

فتح ملف المصارف.

فتح ملف أصحاب النفوذ.

فتح ملف شبكات العلاقات الدولية.

والأهم: فتح السؤال عن من يحضّر نفسه لحكم لبنان بعد الحرب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى