أرمينيا تراهن على ممر الشرق والغرب.. – خالد العزي

د. خالد العزي
تبدو أرمينيا وكأنها تدخل مرحلة سياسية واقتصادية جديدة، تحاول من خلالها إعادة تعريف موقعها الجيوسياسي في منطقة جنوب القوقاز، ليس فقط بوصفها دولة خرجت من سنوات طويلة من الصراع مع أذربيجان، بل أيضًا باعتبارها نقطة عبور محتملة في مشروع نقل دولي يربط الشرق بالغرب. وفي هذا السياق، جاء إعلان رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان عن إطلاق مشروع ممر النقل الدولي الجديد ليعكس طموح يريفان في التحول من دولة محاصرة جغرافيًا وسياسيًا إلى عقدة لوجستية واقتصادية قادرة على جذب الاستثمارات الدولية.
باشينيان يربط السلام مع أذربيجان بولادة مشروع اقتصادي استراتيجي
وخلال لقائه مع الناخبين في منطقة شيراك، تحدث باشينيان بلغة تحمل الكثير من الرسائل السياسية والاقتصادية، عندما أعلن أن مستثمرين دوليين قدموا مقترحًا لإنشاء طريق سريع يربط الشرق بالغرب، ويمر عبر مناطق شيراك وتافوش ولوري، بالتوازي مع خط السكك الحديدية. ولم يكتفِ رئيس الوزراء بالإعلان عن المشروع، بل حرص على تقديمه باعتباره بداية لمرحلة جديدة من التنمية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي، واعدًا السكان باستثمارات بملايين الدولارات وبفرص اقتصادية قد تغيّر واقع المناطق الحدودية التي عانت طويلًا من التهميش والتوترات الأمنية.
لكن أهمية المشروع لا تكمن فقط في أبعاده الاقتصادية، بل أيضًا في توقيته السياسي. فباشينيان ربط بشكل مباشر بين هذا المشروع وبين اتفاق السلام الذي وقعته أرمينيا وأذربيجان بالأحرف الأولى في واشنطن خلال أغسطس/آب 2025. ومن خلال هذا الربط، يحاول رئيس الوزراء الأرميني تسويق فكرة أساسية مفادها أن السلام مع باكو ليس مجرد تسوية سياسية لإنهاء نزاع تاريخي، بل بوابة لفتح أرمينيا أمام شبكات التجارة والطاقة والنقل الدولية.
التحولات الجيوسياسية تخدم أرمينيا
ويبدو أن القيادة الأرمينية تعتقد أن التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة قد تمنحها فرصة نادرة لإعادة التموضع اقتصاديًا. فالحرب الأوكرانية والعقوبات الغربية على روسيا دفعت العديد من الدول والشركات إلى البحث عن ممرات بديلة تربط آسيا بأوروبا بعيدًا عن المسارات التقليدية. وهنا تحاول أرمينيا تقديم نفسها كجزء من “الممر الأوسط” الذي يربط الصين وآسيا الوسطى بأوروبا عبر القوقاز.
الدعوة إلى الاستثمارات الدولية
وفي هذا الإطار، أشار باشينيان إلى أن الخبراء والمستثمرين الدوليين يراقبون عن كثب ما يجري في أرمينيا بعد توقيع اتفاق السلام، معتبرًا أن البلاد قد تتحول إلى أقصر طريق يربط الغرب بالشرق. وهذا التصور يحمل في طياته محاولة واضحة لتحويل الموقع الجغرافي الأرمني من عامل ضعف تاريخي إلى مصدر قوة استراتيجية.
كما أن حديث باشينيان عن استئناف النقل عبر الأراضي الأذربيجانية يعكس تحولًا مهمًا في الخطاب السياسي الأرميني. فقبل سنوات قليلة فقط، كانت الحدود المغلقة والقطيعة السياسية مع أذربيجان وتركيا تمثل أحد أبرز أسباب العزلة الاقتصادية لأرمينيا. أما اليوم، فتسعى الحكومة الأرمينية إلى استغلال الانفراج النسبي لفتح طرق التجارة واستعادة دورها كممر عبور إقليمي.
مشروع “طريق ترامب”
وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن مشروع “طريق ترامب”، الذي أشار إليه باشينيان سابقًا، كمؤشر على وجود اهتمام أمريكي متزايد بربط جنوب القوقاز بمشاريع النقل والطاقة الدولية. كما يعكس رغبة واشنطن في تعزيز حضورها داخل المنطقة في مواجهة النفوذ الروسي التقليدي، خاصة بعد التراجع النسبي لدور موسكو منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
ومع ذلك، فإن الرهان الأرميني على التحول إلى مركز عبور إقليمي لا يخلو من التحديات. فالمنطقة ما تزال تعيش على وقع هشاشة سياسية وأمنية، كما أن أي توتر جديد مع أذربيجان قد يهدد هذه المشاريع بالكامل. إضافة إلى ذلك، تواجه حكومة باشينيان انتقادات داخلية من قوى قومية تعتبر أن تقديم تنازلات لباكو مقابل مشاريع اقتصادية قد يكون مكلفًا على المستوى الوطني والسيادي.
لكن رغم هذه التحديات، يبدو أن باشينيان مصمم على المضي في مشروعه السياسي والاقتصادي الجديد، القائم على فكرة أن الاستقرار الإقليمي والانفتاح الاقتصادي قد يكونان السبيل الوحيد لإخراج أرمينيا من عزلتها التاريخية. ولذلك، فإن مشروع ممر الشرق والغرب لا يمثل مجرد طريق سريع أو مشروع بنية تحتية، بل محاولة لإعادة صياغة دور أرمينيا في المعادلة الجيوسياسية لجنوب القوقاز، وتحويلها من ساحة صراع إلى نقطة وصل بين القارات والمصالح الدولية المتشابكة.
في المحصلة، لا يبدو أن مشروع ممر الشرق والغرب الذي تطرحه أرمينيا مجرد خطة اقتصادية أو مشروع بنية تحتية عابر، بل يمثل محاولة استراتيجية لإعادة تموضع الدولة الأرمنية داخل التوازنات الإقليمية والدولية الجديدة. فحكومة نيكول باشينيان تراهن على أن السلام مع أذربيجان والانفتاح على مشاريع النقل والتجارة الدولية قد يمنحان أرمينيا فرصة تاريخية للخروج من عزلتها الجغرافية والسياسية، والتحول إلى نقطة عبور تربط آسيا بأوروبا عبر جنوب القوقاز.
لكن هذا الرهان يبقى مرتبطًا بمدى قدرة يريفان على الحفاظ على الاستقرار السياسي والأمني في منطقة ما تزال تعيش على وقع التنافس الإقليمي والدولي الحاد. فنجاح المشروع لا يعتمد فقط على توفر التمويل والاستثمارات، بل أيضًا على استمرار التفاهمات مع أذربيجان، وعلى قدرة أرمينيا على موازنة علاقاتها بين روسيا والغرب والقوى الإقليمية الأخرى.
وفي ظل التحولات الكبرى التي تشهدها طرق التجارة والطاقة العالمية، تدرك أرمينيا أن موقعها الجغرافي قد يتحول من عبء تاريخي إلى فرصة استراتيجية نادرة. ولذلك، فإن مشروع ممر الشرق والغرب يبدو بالنسبة لباشينيان أكثر من مجرد طريق سريع؛ إنه محاولة لإعادة رسم مستقبل أرمينيا السياسي والاقتصادي، وتحويلها من دولة هامشية في معادلات القوقاز إلى لاعب إقليمي يمتلك أهمية جيوسياسية متزايدة في الربط بين الشرق والغرب.



