خبر عاجلمقالات

آب ـ أغسطس… شهر الإمام موسى الصدر: من ذاكرة الغياب إلى سؤال الدولة والعدالة

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

آب ـ أغسطس… شهر الإمام موسى الصدر: من ذاكرة الغياب إلى سؤال الدولة والعدالة

 

 

بقلم محمد المشهداني ـ مناشير

ليس آب في الذاكرة السياسية اللبنانية والعربية والإسلامية مجرد شهر من أشهر السنة، ولا محطة زمنية تتكرر في التقويم ثم تنقضي. منذ اختطاف واختفاء الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه في أواخر آب عام 1978، بات هذا الشهر يحمل في الوجدان معنى يتجاوز التاريخ إلى سؤال مفتوح عن الدولة والعدالة والسيادة والمقاومة، وعن الإنسان حين يتحول غيابه إلى قضية وطن وأمة.

في آب، لا يُستعاد الإمام موسى الصدر بوصفه شخصية دينية فحسب، ولا زعيماً لطائفة فحسب، بل بوصفه ظاهرة سياسية وفكرية واجتماعية حاولت إعادة تعريف العلاقة بين الدين والمجتمع، وبين الطائفة والوطن، وبين الحرمان والكرامة، وبين المقاومة والدولة.

ولهذا فإن الكلام عنه لا ينبغي أن يتحول إلى رثاء موسمي أو استعادة عاطفية لخطاب تاريخي، بل إلى قراءة دقيقة في مشروع رجل أدرك مبكراً أن أزمة لبنان ليست في تعدد طوائفه، وإنما في تحويل هذا التعدد إلى نظام من الامتيازات والحرمان، وفي ترك مناطق واسعة من البلاد خارج دائرة الدولة والتنمية والعدالة.

كان الإمام موسى الصدر ابن مرحلة عربية وإسلامية مضطربة، لكنه لم يكن أسيراً لها. جاء إلى لبنان في زمن كانت فيه البنية الاجتماعية والسياسية تعيد إنتاج التفاوت تحت عناوين طائفية ومناطقية واقتصادية، فحاول نقل قضية الطائفة الشيعية من موقع الشكوى إلى موقع الفعل السياسي والاجتماعي المنظم.

والأهم أنه لم يختزل المسألة في المطالبة بحصة إضافية في النظام، بل ربطها بمفهوم أوسع هو العدالة الوطنية.

وهنا تكمن إحدى أهم مفاتيح شخصية الإمام الصدر. فالحرمان في مشروعه لم يكن شأناً شيعياً محضاً، بل عنواناً لخلل في الدولة اللبنانية نفسها. لذلك فإن صرخته من أجل الجنوب والبقاع والمناطق المحرومة لم تكن مجرد مطالبة بالخدمات، بل محاولة لإعادة تعريف معنى المواطنة.

فالمواطن الذي لا تصله الدولة إلا في شكل أمني أو إداري، بينما تغيب عنه التنمية والتعليم والبنية التحتية والفرص، يصبح مواطناً ناقص الحقوق، مهما كانت النصوص الدستورية التي تتحدث عن المساواة.

ومن هنا يمكن القول إن مشروع الإمام الصدر كان، في أحد وجوهه، مشروعاً لإعادة بناء الدولة من الأطراف نحو المركز، لا من المركز نحو الأطراف فقط.

الإمام الصدر والدولة… بين الإصلاح والمواجهة

لم يكن الإمام الصدر رجل دولة بالمعنى المؤسساتي التقليدي؛ فهو لم يمتلك دولة ولا جهازاً حكومياً ولا سلطة تنفيذية، لكنه امتلك ما هو أعمق: القدرة على إنتاج خطاب سياسي إصلاحي جديد حول الدولة.

كان يدرك أن الطائفة التي تبحث عن حماية خارج الدولة ستبقى رهينة للخوف، وأن الدولة التي لا تحمي جميع مواطنيها ستبقى ناقصة الشرعية.

لذلك لم تكن علاقته بالدولة علاقة رفض مطلق، بل علاقة مطالبة وضغط ومواجهة من أجل أن تقوم الدولة بوظيفتها.

وهذا الجانب تحديداً يستحق قراءة أكثر عمقاً اليوم. ففي السياسة اللبنانية غالباً ما جرى تصوير العلاقة بين الطوائف والدولة وكأنها لعبة صفرية: إما الدولة وإما الجماعة.

أما تجربة الإمام الصدر فتقدم صيغة أكثر تعقيداً: لا يمكن بناء دولة قوية من دون جماعات تشعر بأنها مصانة، ولا يمكن حماية الجماعات على المدى الطويل من دون دولة عادلة.

إنها معادلة شديدة الصعوبة، وربما لهذا السبب بقيت التجربة الصدرية قابلة للنقاش حتى اليوم.

فالطائفة التي تشعر بالحرمان تبحث عن تنظيم ذاتي، والتنظيم الذاتي حين يتضخم قد يتحول إلى سلطة موازية، والسلطة الموازية تضعف الدولة، وضعف الدولة يعيد إنتاج الخوف، والخوف يعيد إنتاج التنظيمات الطائفية. إنها دائرة مفرغة لم يستطع لبنان الخروج منها بصورة نهائية.

حاول الإمام الصدر كسر هذه الدائرة عبر مفهوم مختلف: تحويل القوة الاجتماعية للطائفة من أداة انفصال عن الدولة إلى أداة ضغط لإصلاح الدولة.

الجنوب… الاختبار الأصعب لمعنى الدولة

لا يمكن فهم الإمام موسى الصدر بعيداً عن الجنوب اللبناني.

فالجنوب لم يكن بالنسبة إليه مجرد منطقة جغرافية، بل كان اختباراً حقيقياً لمعنى الدولة والسيادة. منطقة تتعرض للاعتداءات الإسرائيلية وتعيش في الوقت نفسه تحت وطأة الحرمان والإهمال، وكانت بالنسبة إلى الإمام الصدر نموذجاً صارخاً للتناقض اللبناني.

كيف يمكن أن تطلب من المواطن أن يؤمن بالدولة إذا كانت الدولة عاجزة عن حمايته؟

وكيف يمكن أن تطلب منه الالتزام بالمؤسسات إذا كانت المؤسسات غائبة عن حياته اليومية؟

وكيف يمكن أن تتحدث عن السيادة بينما يعيش أبناء الجنوب والمناطق الحدودية في حالة دائمة من الخوف والنزوح والدمار؟

من هنا اكتسبت قضية الجنوب في خطاب الإمام الصدر بعداً وطنياً يتجاوز حدود الطائفة. فالدفاع عن الجنوب لم يكن ترفاً سياسياً، بل شرطاً من شروط كرامة الدولة نفسها.

وهذا يفسر ارتباط اسمه بالمقاومة والدفاع عن الأرض، مع أن قراءته للمقاومة لم تكن منفصلة عن مفهوم الدولة والمجتمع.

من الحرمان إلى التنظيم

من أبرز إنجازات الإمام موسى الصدر أنه أدرك أن الاحتجاج وحده لا يكفي. فالحرمان حين يبقى مجرد شكوى يتحول إلى ثقافة عجز، أما حين يتحول إلى تنظيم اجتماعي وسياسي فإنه يصبح قوة قادرة على فرض نفسها في المعادلة الوطنية.

ولهذا جاءت المؤسسات الاجتماعية والتربوية والخدماتية والتعبئة الشعبية، إلى جانب المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وحركة أمل، ضمن سياق محاولة تحويل الفئة المهمشة إلى جماعة سياسية فاعلة.

وهنا يجب التمييز بين أمرين:

الأول، نشوء حركة اجتماعية ترفع مطالب فئة مهمشة ومحرومة.

والثاني، تحول هذه الحركة إلى بنية سياسية قادرة على المشاركة في النظام.

الإمام الصدر أسس إلى حد كبير للانتقال الأول، ثم جاء التاريخ اللبناني اللاحق ليشهد تطورات ضخمة على مستوى الانتقال الثاني، خصوصاً خلال الحرب الأهلية وما بعدها.

لكن المفارقة التاريخية أن الإمام الصدر، الذي بدأ مشروعه تحت عنوان رفع الحرمان وإعادة الاعتبار للدولة، اختفى قبل أن يرى المسارات التي ستأخذها الحركة السياسية والاجتماعية التي ساهم في تأسيسها.

وهنا تبدأ واحدة من أكثر المسائل حساسية في قراءة إرثه: الفصل بين الإمام والمشروع.

ليس من الإنصاف أن ننسب إلى الإمام الصدر كل ما حدث بعد اختفائه، كما ليس من الدقة أن نفصل تجربته عن نتائجها التاريخية.

الإمام الصدر شيء، والمشروع شيء آخر. والحركات السياسية لا تبقى دائماً أسيرة أفكار مؤسسيها، بل تتأثر بالحروب والتحالفات والتحولات الإقليمية وصعود القيادات الجديدة وتغير موازين القوى.

لذلك فإن دراسة إرث الإمام موسى الصدر تحتاج إلى فصل واضح بين فكره نفسه وبين المسارات التي سلكتها القوى السياسية التي خرجت من البيئة الاجتماعية التي ساهم في تنظيمها.

وهذه المسافة ضرورية حتى لا يتحول التاريخ إلى أداة للدعاية. فالوفاء للإمام الصدر لا يكون بتحويله إلى رمز بلا أسئلة، وإنما بطرح الأسئلة التي كان هو نفسه يجرؤ على طرحها.

آب… اختبار الذاكرة

في كل عام، يعود شهر آب ليضع اللبنانيين ومحبي الإمام الصدر وأنصاره أمام سؤال الذاكرة:

كيف نتذكر رجلاً اختفى؟

هل نتذكره كشهيد؟ أم كمفقود؟ أم كقضية سياسية؟ أم كرمز ديني؟ أم كجزء من تاريخ الحرب اللبنانية؟ أم كمشروع نهض بالطائفة الشيعية وطرح رؤية لمستقبل لبنان؟

ربما تكون الإجابة أن اختطافه واختفاءه جمع كل هذه الأبعاد.

فالإمام الصدر لم يختفِ في ظروف عادية، بل وقع اختفاؤه في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، وسط الصراع العربي ـ الإسرائيلي، والحرب الأهلية اللبنانية، والتنافس الإقليمي والتدخلات الدولية والتحولات الكبرى في المنطقة.

ولهذا بقيت قضية اختطافه واختفائه مرتبطة بأسئلة السياسة الإقليمية، كما بقيت مرتبطة بالعدالة الشخصية والوطنية.

والقضية التي لا تجد جواباً نهائياً تتحول مع الوقت إلى جزء من هوية المجتمع الذي يحملها. ولهذا صار شهر آب في الوجدان المرتبط بالإمام الصدر أشبه بموعد سنوي مع سؤال الحقيقة.

ويبقى اختطاف واختفاء الإمام الصدر ورفيقيه في ليبيا من أكثر الملفات حساسية في التاريخ اللبناني الحديث. فالملف لم يكن مجرد حادثة فردية، بل قضية ذات أبعاد لبنانية وعربية وإسلامية ودولية.

ومع مرور السنوات تبدلت الأنظمة والقيادات، لكن القضية بقيت حاضرة في الوعي العام.

وهنا لا بد من التشديد على أن العدالة لا تقوم على الذاكرة وحدها. العدالة تحتاج إلى حقيقة، والحقيقة تحتاج إلى وثائق وتحقيقات وشهادات وأدلة ومسار قضائي وسياسي واضح.

أما تحويل القضية إلى مادة للمزايدات، فيسيء إليها بدل أن يخدمها.

لذلك فإن استمرار المطالبة بكشف مصير الإمام الصدر ورفيقيه ليس مجرد وفاء عاطفي، بل واجب إنساني وقانوني ووطني، واختبار لقدرة الدولة اللبنانية على متابعة قضية تتجاوز الأشخاص والقوى والأحزاب.

فالدولة التي لا تستطيع معرفة مصير رجل بحجم الإمام الصدر بعد كل هذه العقود تواجه سؤالاً عميقاً حول مفهومها للسيادة والعدالة وحماية مواطنيها.

لماذا لا يزال الإمام الصدر حاضراً؟

لأن الأسئلة التي حملها لم تنتهِ.

لا يزال لبنان يعاني من مشكلة التوازن بين الطوائف والدولة.

ولا تزال مناطق تعاني من تفاوت في التنمية.

ولا تزال قضية الجنوب مرتبطة بالأمن والسيادة.

ولا تزال العلاقة بين المقاومة والدولة موضع جدل سياسي ووطني.

ولا يزال النظام السياسي عاجزاً عن بناء عقد مواطني كامل.

ولا تزال الطائفية، رغم كل الخطابات عن تجاوزها، إحدى أكثر البنى رسوخاً في الحياة العامة.

لهذا فإن الإمام موسى الصدر لا يعيش فقط في الذاكرة، بل يعيش في الأسئلة.

فالشخصيات التاريخية لا تبقى حية لأن صورها معلقة على الجدران، وإنما لأنها تترك وراءها أسئلة لم يستطع الزمن إلغاءها.

وربما كان من أكثر عناصر شخصية الإمام الصدر إثارة للاهتمام أنه لم يقبل الفصل التقليدي بين رجل الدين والشأن العام، لكنه في المقابل لم يقدم الدين بديلاً عن السياسة، بل مصدراً للقيم التي ينبغي أن توجه السياسة.

كان يتحدث عن الإنسان قبل الطائفة، وعن الكرامة قبل السلطة، وعن العدالة قبل الامتياز.

وهذه نقطة جوهرية، لأن السياسة حين تنفصل عن الأخلاق تتحول إلى إدارة للمصالح فقط، والدين حين يتحول إلى أداة سياسية فاسدة يفقد قدرته على إنتاج المعنى الأخلاقي.

في تجربة الإمام الصدر محاولة مستمرة لإبقاء السياسة مرتبطة بقضية الإنسان، وهذا تحديداً ما جعل خطابه قادراً على الوصول إلى خارج البيئة الشيعية، حتى عندما كان يعمل بصورة أساسية داخلها.

العيش المشترك… وحدة لا تخفي المظالم

لم يكن حديث الإمام الصدر عن الوحدة الإسلامية والوطنية مجرد خطاب بروتوكولي، بل كان جزءاً من رؤيته للبنان.

أدرك أن الطائفة الشيعية لا تستطيع أن تحقق العدالة لنفسها عبر عزل نفسها عن بقية المجتمع، وأن حماية لبنان تتطلب حماية تعدديته لا إلغاءها.

فالعيش المشترك عنده لم يكن مجرد جلوس القيادات الدينية إلى جانب بعضها في المناسبات، بل كان يفترض وجود عدالة اجتماعية واقتصادية وسياسية تجعل الشراكة قابلة للحياة.

إذ لا يمكن بناء وحدة وطنية حقيقية فوق شعور دائم بالغبن، ولا يمكن بناء مواطنة مشتركة إذا كانت الدولة توزع الحقوق وفق موازين القوة.

ومن هنا يطرح مشروع الإمام الصدر، ضمنياً، معادلة واضحة:

الوحدة الوطنية لا تعني إخفاء المظالم، بل معالجة أسبابها.

ما الذي بقي من الإمام الصدر؟

بقيت المؤسسات، وبقيت الذاكرة، وبقي الخطاب، وبقيت القضية، وبقيت المقاومة والإصلاح.

لكن الأهم أن الحاجة بقيت إلى قراءة تجربته من جديد.

فالقراءة الناضجة لا تقدس التاريخ ولا تشتمه، ولا تحول القادة إلى ملائكة أو شياطين، بل تضعهم في سياقهم، وتدرس قراراتهم، وتفهم شروط عصرهم، وتقارن بين ما أرادوه وما حدث بعدهم.

ومن هذه الزاوية، فإن الإمام الصدر يستحق قراءة تتجاوز الاحتفال السنوي.

يستحق أن تُدرس محاضراته وخطبه وأقواله ومواقفه، وأن توضع في سياق تاريخ لبنان والعالم العربي والإسلامي، ولا سيما في عقدي الستينيات والسبعينيات.

ويستحق أن يُسأل: ما الذي أصاب فيه؟ أين أخطأ؟ ما الذي كان سابقاً لعصره؟ وما الذي بقي أسير ظروف زمنه؟

فالتاريخ لا يخاف من الأسئلة، بل الأسئلة هي التي تمنع التاريخ من التحول إلى أسطورة مغلقة.

آب ليس شهر الحزن فقط

من السهل أن يتحول آب إلى شهر للحزن على رجل اختُطف وغاب، لكن الأعمق أن يتحول إلى شهر للمراجعة.

ماذا فعلنا بمفهوم الدولة؟

ماذا فعلنا بمفهوم العدالة؟

ماذا فعلنا بالجنوب؟

ماذا فعلنا بفكرة العيش المشترك؟

ماذا فعلنا بقضية المحرومين؟

وماذا فعلنا بالحقيقة في قضية الإمام الصدر؟

إذا كانت هذه الأسئلة لا تزال مفتوحة بعد عشرات السنين، فإن معنى ذلك أن شهر آب لم ينتهِ بعد.

فالشهر الذي يحمل ذكرى الاختطاف والاختفاء لا ينبغي أن يكون مناسبة لإحياء الغياب فقط، بل لإحياء المشروع.

لقد تبدلت المنطقة بصورة لا يمكن معها إعادة إنتاج خطاب عقد السبعينيات كما هو، لكن بعض القضايا بقيت: الهيمنة الخارجية، والصراع العربي ـ الإسرائيلي، وأزمة الدولة الوطنية، والطائفية السياسية، والحرمان الاجتماعي.

كما أن السؤال عن العلاقة بين المقاومة والسلطة والدولة لم يُحسم بصورة نهائية.

ولهذا يمكن أن يصبح إرث الإمام موسى الصدر مادة ضرورية للحوار العربي المعاصر، لا بوصفه جواباً جاهزاً، بل بوصفه تجربة تاريخية غنية بالمعادلات والأسئلة.

وفي زمن أصبحت فيه المجتمعات أكثر انقساماً، والسياسة أكثر سرعة، والإعلام أكثر قدرة على صناعة الرواية والاستقطاب، ربما يصبح خطاب الإمام الصدر الذي أصر على الإنسان والكرامة والعدالة أكثر أهمية مما نظن.

شهر الإمام الصدر… شهر السؤال

آب ـ أغسطس هو شهر الإمام السيد موسى الصدر، ليس لأن التقويم قرر ذلك، بل لأن الذاكرة اللبنانية والعربية والإسلامية جعلت منه موعداً سنوياً مع رجل اختُطف، فكان غيابه أطول من كثير من الحضور.

غاب الإمام الصدر جسداً، لكنه بقي قضية حية.

غاب عن المشهد السياسي، لكنه بقي سؤالاً.

غاب عن المنابر، لكن خطابه بقي جزءاً مهماً من النقاش حول لبنان والدولة والجنوب والعدالة والطائفة والمقاومة.

غير أن الوفاء الحقيقي له لا يكون في رفع صوره فقط، ولا في تكرار عباراته وأقواله، ولا في إقامة المناسبات الخطابية، بل في العودة إلى جوهر مشروعه:

أن الإنسان هو الغاية.

وأن الحرمان ليس قدراً.

وأن الدولة لا تكون دولة إلا إذا حمت جميع مواطنيها.

وأن الجنوب ليس هامشاً في الوطن.

وأن الطائفة لا ينبغي أن تكون سجناً للإنسان.

وأن المقاومة لا يمكن فصلها عن قضية الأرض والسيادة.

وأن العيش المشترك لا يُبنى بالمجاملات، بل بالعدالة.

وأن الحقيقة، مهما طال الزمن، لا تسقط بالتقادم في ذاكرة الشعوب.

لهذا، حين يأتي شهر آب، لا ينبغي أن نسأل فقط: أين الإمام السيد موسى الصدر؟

بل ينبغي أن نسأل أيضاً:

أين نحن من لبنان الذي أراده؟

أين نحن من الدولة التي طالب بها؟

أين نحن من الإنسان الذي وضعه في قلب مشروعه؟

وأين نحن من العدالة التي جعل منها مدخلاً إلى الوحدة الوطنية؟

فالإمام الصدر الذي غاب في شهر آب لا ينبغي أن يتحول إلى ذكرى غائبة في بقية العام، بل يجب أن يبقى شهر آب مناسبة لاستعادة الأسئلة التي جعلته حاضراً في التاريخ.

وليست عظمة الإمام موسى الصدر في أنه ترك وراءه إجابات نهائية، بل في أنه ترك أسئلة كبرى لا يزال لبنان والعالم العربي والإسلامي عاجزاً عن الهروب منها.

آب ـ أغسطس… شهر الإمام السيد موسى الصدر؛ شهر الذاكرة، وشهر الحقيقة، وشهر الجنوب، وشهر المقاومة، وشهر الحرمان، وشهر السؤال الكبير عن الدولة والإنسان.

والقضية التي تبدأ بسؤال: أين هو الإمام الصدر؟

ربما ينبغي أن تنتهي، إذا قرأناها بعمق وطالبنا جميعاً بالحقيقة، بسؤال أكبر:

متى يعود الإمام السيد موسى الصدر ورفيقاه إلى أهلهم ووطنهم، ومتى تعود الحقيقة إلى مكانها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى